برقية غزل/بقلم الكاتب د /جرجس حوراني.
برقية غزل
د جرجس حوراني
لم يكن الحديث موجَّهًا إليه، لكنه التصق به كصوتٍ لا يُنسى.
جلس مع زملائه في العمل، تتصاعد رائحة القهوة الثقيلة في الاستراحة، بينما دار نقاش بدا عابرًا عن سبب افتتان النساء بعبد الحليم حافظ ونزار قباني. قال أحدهم إن السرّ في الكلمة، وقال آخر إن الغزل هو الطريق الأقصر إلى القلب. ابتسم دون أن يعلّق. شعر بأن الكلمات لا تخصّ الطاولة بقدر ما تخصّ حياته. صمت، وترك الضجيج يمرّ من حوله.
في الصمت وحده، اتّسعت الرؤية.
تذكّر زوجته كما تُستعاد صورة قديمة دون إطار. امرأة لم ترفع صوتها يومًا، لا لأنّها عاجزة، بل لأنّها كانت تختار الهدوء. لم تطلب أكثر من بيت مستقر، ومساءات لا تحمل مفاجآت مؤلمة، ويدٍ ثابتة حين تمسك يده. كانت تفاصيلها بسيطة، لكن حضورها عميق، مثل ضوء لا يُرى مصدره.
سنوات طويلة عاشاها معًا؛ حياة نظيفة من الخيانات الصغيرة، مليئة بالاحترام، مثقلة بالمسؤوليات اليومية. ومع ذلك، باغته سؤال لم يعرف كيف يؤجّله: هل منحها يومًا كلمة تليق بهذا العمر المشترك؟ هل قال لها ما يشبه الشعر، أو ترك في ذاكرتها لحظة خفيفة يمكن العودة إليها حين يثقل الزمن؟
في طريق عودته إلى البيت، رافقه السؤال كظل. كانت الشوارع مبتلّة من مطرٍ خفيف، والأضواء تنعكس على الزجاج الأمامي. أدرك أنه لم يكن مقصّرًا، لكنه لم يكن شاعرًا. الرومانسية، كما يتداولها الناس، بدت له غريبة عنه: كلمات منمّقة لا يجيدها، ومشاعر معلنة تعوّد أن يخفيها خلف التزامه الصامت. فكّر في الورود، في العشاءات المفاجئة، في الهدايا السريعة، ثم استبعدها. لم يُرد فعلًا مستعارًا، بل شيئًا يشبهه… ويشبهها.
ومع اقتراب عيد الميلاد، وقف ذات مساء في الصالة يتأمل فراغها. كان الضوء أصفر خفيفًا، والبيت ساكنًا. عندها، جاءت الفكرة بلا ضجيج: شجرة صغيرة. ليست احتفالًا، بل إشارة. مساحة للدهشة، ونافذة صغيرة للاعتراف المؤجّل.
عندما أخبرها برغبته في تركيب الشجرة، اعترضت بلطف. قالت إنهما لم يعتادا ذلك، وإن الأمر متعب بلا داعٍ. اكتفى بابتسامة قصيرة. لم يشأ أن يشرح؛ كان يريد للفكرة أن تبقى خفيفة، بلا توقّعات.
في الأيام التالية، جمع في كيسٍ أحمر أشياء تحبها: كتابًا توقفت عنده طويلًا في إحدى المرات، وشالًا بلون الشتاء، وعطرًا خفيفًا يشبه حضورها حين تمرّ بجانبه. لم يكن الكيس هو الهدية، بل ما يحمله من انتباه.
في صباح العيد، استيقظ باكرًا. كان البيت غارقًا في سكون ناعم، والضوء يتسلل ببطء عبر الستائر. حمل الكيس واتجه نحو الشجرة ليضعه تحتها، لكنه توقّف. على أحد أغصانها، كانت ورقة صغيرة معلّقة بعناية.
قرأها واقفًا، دون أن يتحرّك:
“لم أحتج يومًا إلى كلمات كبيرة،
ولا إلى غزلٍ يشبه الشعر.
كنتُ أحتاج فقط إلى رجلٍ لا يخذلني.
وأنت فعلت.”
ثم:
“عشتُ معك باحترام،
وبسلام،
وحفظتَ كرامتي كما يحفظ المرء قلبه.”
وفي الأسفل، كلمة واحدة:
أحبك.
جلس ببطء. وضع الكيس تحت الشجرة كما كان ينوي، وبقي ينظر إلى الورقة طويلًا، كأنها لم تُكتب هذا الصباح، بل كانت معلّقة هناك منذ سنوات، تنتظر فقط أن يراها.
تعليقات
إرسال تعليق