الشحيح/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.
الشحيح كان "فرحات" يرى في الدينار كائناً حياً لا يجب أن يُغادر عرينه؛ لم يكن يعتبر نفسه بخيلاً، بل كان يرى في الإنفاق "خيانةً للمادة". صاغ لنفسه مذهباً سماه "فلسفة الضد": ضد الهدر، ضد الرفاهية، وضد بهرجة الحياة التي تسرق جيوب الحمقى. في غرفته التي لا تُنيرها إلا شمعةٌ واحدة لأن الكهرباء "ترفٌ بصري"، كان يجلس بقميصه الذي بهت لونه حتى صار بلون الغبار، يُحدّث نفسه: "هذا القميص يستر جسدي، فما حاجتي لغيره؟ أليست الأناقة عبوديةً لعين الآخر؟". كان يرتاد السوق في نهاية اليوم، حين تذبل الخضروات وينخفض سعرها، فيبتاع بضع حباتٍ من الطماطم المجعدة، ويقنع نفسه بأن طعم "الرخص" أشهى من طعم "الجودة". بالنسبة لفرحات، كل ورقة نقدية تخرج من محفظته هي قطرة دمٍ تُسفك من عروقه. ذات ليلة، وبينما كان يحصي دنانيره المخبأة في جرةٍ قديمة، سرت برودةٌ في أطرافه. نظر إلى ثروته وقال: "لقد هزمتُ العالم؛ لم آكل من خيراته، ولم ألبس من حريره". لكنه حين حدّق في مرآته المتشققة، لم يرَ فيلسوفاً، بل رأى شبحاً يحرسه الذهب. لقد غرق في عدمه حت...