حين يوقظ الطبلُ/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.
حين يوقظ الطبلُ يقال إنَّ الخديعة لا تقتل دفعةً واحدة، بل تتسلّل إلى الروح كما يتسلّل البرد في ليالي الشتاء، حتى يضحي الصدرُ غرفةً مهجورة، تتدلّى في أركانها الذكريات كأقمشةٍ بالية. في ليلةٍ ساجية من ليالي رمضان، كانت المدينة تغفو تحت سماءٍ شاحبة. المصابيح المعلّقة على الأعمدة تنثر ضوءاً أصفر كسيراً، كأنه اعتذارٌ متأخرٌ عن عتمة الأزقة. وفجأة، تجمّر انتباه المارّة ظلٌّ يتأرجح فوق أحد الأعمدة؛ ظلٌّ طويلٌ ونحيل، بدا كسؤالٍ معلّقٍ بين الأرض والسماء. كان "سالم"، رجل "البوطبيلة"*، يجوب الأزقة يقرع طبله بإيقاعٍ رتيب، يذكّر الناس بسحورهم ويوقظ الغافلين من سباتهم. وحين رفع عينيه، تجمّد الإيقاع في يده، وسكن النبض في خشبة الطبل؛ لم يكن الظلُّ وهماً. كانت امرأة. تتدلّى بجسدٍ واهن، وثوبٍ أسود يلتفّ حولها كليلٍ ثانٍ. اقترب مذعوراً، وتسلّق العمود بما تبقّى في صدره من أنفاس، ثم قطع الحبل المرتجف، لتسقط بين ذراعيه كريشةٍ مكسورة. لم تكن ألفة مجنونة، بل كانت مخدوعة. رسّامةٌ تعيش بين ظلال الألوان أكثر مما تعيش بين البشر. أحبّت رجلاً عشق لوحاتها أكثر مما عشق روحها؛ وعدها بمعرضٍ باذ...