بين الفرجة و المشاركة/بقلم الكاتب/ عبدالفتاح الطياري.

بين الفرجة و المشاركة
كان "سالم" يجلس في مقهاه المعتاد، يراقب صديق عمره "خالد" وهو يغرق في دوامة من الحزن الصامت. لاحظ سالم منذ أسابيع أن خالداً يتلقى اتصالات مريبة، ويخفي شاشة هاتفه بارتباك كلما اقترب منه أحد. وبحكم قرابتهما، كان يعلم أن خالداً يمرّ بأزمة مالية قد تعصف بمستقبل عائلته، لكن الأخير اختار الكتمان التام.
​وقع سالم في حيرة تمزق الروح: هل يصمت احتراماً لخصوصية صديقه وكبريائه، أم يتحدث بدافع الخوف عليه؟
بدا له الصمتُ درعاً يحمي كرامة خالد، فالتدخل قد يُفسر إهانةً أو تطفلاً على منطقة محرمة. ومن جهة أخرى، بدا السكوت خيانةً لمعنى الصداقة؛ فكيف يراه يغرق ولا يمد له يداً، حتى لو كانت تلك اليد ستلمس جرحاً غائراً؟
​كان الجدار غير المرئي من الكتمان ينهش سالم بتساؤلات قاسية: هل احترام الخصوصية هنا مجرد أنانية مقنعة بزيّ الاحترام؟ أم أن التدخل هو عدوانٌ رحيم تفرضه الضرورة؟
​حسم سالم أمره، اقترب من صديقه، وضع يده على كتفه وقال بصوت خفيض: خالد، لستُ هنا لأتدخل فيما لا يعنيني، لكنني أرى في عينيك ثقلاً لا تطيقه الجبال. إذا أردتَ أن نتحدث فقلبي مفتوح، وإذا آثرتَ الصمت فسأصمت معك.. لكن أرجوك، لا تغرق وحدك.
​في تلك اللحظة، سقط القناع. لم يغضب خالد، بل دمعت عيناه وكأن سدّ الكتمان قد انفجر بالاعتراف. أدرك سالم حينها أن النية الطيبة هي البوصلة؛ وأن الخيط الفاصل بين التطفل والمشاركة ليس إلا شعرة رفيعة ينسجها الصدق، ويحميها الاحترام.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.