قلبي دليلي/بقلم الكاتب /ماهر اللطيف.
قلبي دليلي
بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳
كنتُ خائفًا قلقًا؛ لا تسعني الأرض ومن عليها. أتأفف وأسخط، وأردّ بحدّة على كل من يكلّمني. ملامحي عابسة، وشعري متداخل وغير مرتّب، كحياتي تمامًا في تلك اللحظة.
كنتُ أتساءل عن سبب هذه الحالة المفاجئة التي حلّت بي، دون أن أهتدي إلى جواب يسكّن اضطرابي، رغم أنّ الأيام الأخيرة كانت من أبهى فترات حياتي: اجتزتُ امتحان اختتام السنة الجامعية بنجاح، واستأنفت علاقتي بمحبوبة بعد جفاء طال إثر مكائد “أولاد الحلال”، وعمّ الفرح بيتنا بترقية والدي وخطبة أختي ميساء. كل شيء كان يوحي بأنني على عتبة حياة جديدة… فلماذا يرتعد جسدي إذن؟
تسارعت دقّات قلبي، وسرت حرارة غريبة في جسدي النحيل. ارتعشت أصابعي حتى عجزت عن حمل فنجان القهوة الذي طلبته من نادل مقهى الحي. ضغطتُ على صدري بكفّي، كأنني أخشى أن يفلت القلب قبل أن أفهمه.
نظرت يمنة ويسرة في أرجاء المقهى. لم ألحظ غريبًا عن الحي، ولا ما يستدعي الانتباه. الوجوه هي ذاتها، “وجوه الفقر” المعتادة. حيّيت هذا، صافحت ذاك، ابتسمت في وجه ثالث، لكن ضجيج الكؤوس واختلاط الأصوات زادني تشتّتًا، ولم أعد أميّز أيهما أشدّ صخبًا: المكان أم صدري؟
بغتةً، بلغ مسمعي صوت محبوبة. اقشعرّ بدني، وقفز قلبي قفزًا. التفتُّ باحثًا عنها، فلم أجدها، وهذا طبيعي؛ فماذا تفعل فتاة في مقهى شعبيّ ذكوري؟ أدركتُ أنها خدعة سمعية، حنينًا باطنيًا، شوقًا تسرّب من الذاكرة. محبوبة… حتى اسمها كان يعدني بالطمأنينة.
ثم انفتح المشهد في ذهني، مشفوعًا بصور آخر حديث جمعنا منذ ساعة تقريبًا أمام الجامعة:
– أرجو أن تصدّق مقولة: ما محبّة إلا بعد عداوة.
– (مبتسمًا) لم تكن عداوة، بل سوء تفاهم.
– (مقاطِعة) ليست سوء تفاهم، بل خيانة منك لحبّ وليد.
– (مهدّئًا) من يعرف جوهرة مثلك، لا يمكنه أن يُمسك قطعة قصدير.
كنتُ ما أزال غارقًا في ذلك الحوار، حين شقّ رنين الهاتف شرودي. حدّقت في الشاشة لأتأكّد: إنّه رقم محبوبة. ابتسمتُ، وقلت في نفسي: ها قد اشتاقت لي. رفعت السمّاعة، فسقطت ابتسامتي فورًا.
ساد صمت قصير، صمت يشبه لحظة انكسار الزجاج، ثم جاء صوتها باكيًا، متقطّعًا، تتآكل الحروف بين شفتيها:
«هل تلقّيت استدعاءً من إدارة الجامعة للمثول أمامها فورًا؟
هل أعلموك أنّ الأستاذ المراقب حرّر تقريرًا يفيد تعمّدنا الغشّ في الامتحان؟ لقد حطّمنا… وقضى على مستقبلنا».
تعليقات
إرسال تعليق