صفحة جديدة/بقلم الكاتب/ ماهر اللطيف.
صفحة جديدة
بقلم: ماهر اللطيف / 🇹🇳
تلاقينا صدفة في ساحة الوغى، ذات يوم ومعركة.
تقاطعت الأعين، رجفت الأجساد، تضاعفت دقات القلوب، وتوقّف الكون. غيّمت السماء وبكت كثيرًا، غابت كل شمس، وتعالت أصوات التكبير والتوحيد. سُلت السيوف من أغمادها، وحمي وطيس النزال، وتراقصت الأتربة متناثرة في كل اتجاه تحت وطأة معركة مشهودة…
شعرت بالعرق، التعب، الوهن والإعياء، غير أنني لم أُفلت معصم سيفي وهو يقارع سيفها الحاد. تقدّمت نحوها مهاجمًا حتى كدت أقضي عليها، لكنها صمدت، ترمقني بنظرات حادة كادت تقتلني. شنت هجومًا معاكسًا أجبرني على التقهقر خطوات إلى الوراء، غير أنني تماسكت، وأصررت على البقاء ومصارعة مصيري.
واصلنا الكرّ والفرّ بكل بسالة، فيما كان غيري من الضحايا يتساقطون تباعًا يمنة ويسرة، من الجنسين. تحاملت على نفسي وتجاوزت المصاعب، بينما كانت تسخر مني وتقول بصوتها الثاقب الواثق:
– من أراد وصالي وأسر قلبي، عليه أن يكون مقاتلًا مغوارًا، لا يشق إلى سيفه غبار.
– (والعرق يتصبب) أنا من تركع لبطشه السيوف، وتخر لإصراره القلوب مهما تمنعت.
– (مقاطعة وهي تضحك) رويدك أيها النرجسي، قالها غيرك آلاف ولم يصدقوا.
– (مقاطعًا) لست كغيري، أنا فريد من نوعي…
تداخل العراك بالكلام، وهذا يشحذني، وذاك يهمس في أذني: «لا تأمن حواء»، وآخر يذكّرني بتاريخها. وفي المقابل، كانت تكابد الشيء نفسه من مناصراتها ومشجعاتها. زادت هذه الأصوات معركتنا بطشًا وعنادًا وإلحاحًا على النصر.
غير أنني تأثرت بكلام أحدهم؛ نال مني حتى أشرفت على الهلاك. جال بخاطري تاريخ معاركي السابقة، خاصة نزالي مع شهرزاد، تلك التي نال منها سيفي بعد صراع مرير. أصبت قلبها وأرديتها قتيلة حبي، سقت دماؤها أرضي وهي تهتف باسمي فلملمت جراحي، بعثت في الحياة من جديد بعد أن يئست من جنس الإناث، وكرهت الحياة. قلبت الاستسلام إلى إصرار، والخنوع إلى عزيمة، ووضعنا اليد في اليد لتشييد غدٍ مشترك أفضل.
لكنني خنت تلك الحقبة. تنكرت للعهود، وبحثت عن عوالم موازية بعد أن أفلتُّ من أسر قلبها وناشدت التغيير وخوض غمار حروب جديدة. نالت مني لعنة حبها ودمّرتني، دفعت الفاتورة غاليا لسنوات متتالية إلى أن التقيت اليوم بابتهال، هنا، في هذه المعركة الجديدة.
في لمح البصر، اخترق رأس سيفها لحمي، مزّق عروقي، واستوطن قلبي، فأعادني إلى وعيي وواقعي. صحت عاليًا، هتفت باسمها وأنا أتذوق لذة الاختراق. سقط الجسد مستسلمًا لجبروتها، دمعت عيناي فرحًا، تراخت أعضائي، وغرقت في دمائي التي كانت تنبض باسمها.
غبت عن الوعي، وسافرت إلى عالم الحب النقي لألتحق بها هناك بغية مواصلة ما بدأناه. كان سيفي قد اخترق قلبها كذلك، نال منها ليطهرها من دنس هذه الحياة الرتيبة المليئة بالنفاق والكذب والخيانة.
فهل سأنفض عني هذه المساوئ وأنزع عباءتها البالية، وأرتدي ثوب الحب الخالص، والوفاء، والإخلاص؟
تعليقات
إرسال تعليق