وقفة المعنى/بقلم الشاعر/عاشور مرواني.

قصيدة :وقفة المعنى
هذا ليس رمزًا.

الرموز تُفسَّر، وهذا الخطّ يرفض أن يُشرح.

إنه أثرُ تردّدٍ أصاب اللغة حين أدركت فجأةً أنها ليست أذكى من الصمت، وأنها كلّما تقدّمت ازدادت اقترابًا من الحريق.

|

خطٌّ واحد، واقف كما يقف السؤال حين لا يجد أخلاقًا كافيةً ليعبر.

ليس بدايةً ولا نهاية، بل وقفة كونية تتخلّى فيها الجملة عن ادّعاء الاكتمال.

في البلاغة يسمّونه فاصلًا، وفي الفلسفة يسمّونه حدًّا، وفي التجربة الإنسانية هو اللحظة التي تفهم فيها أن الفهم نفسه ليس خلاصًا.

|

هذا الخطّ هو ابنُ الوعي المتعب، حين يتصالح العقل مع جهله دون أن يحتفل، وحين تقف الحكمة عند حافة القول وتكتفي بأن تكون شاهدة.

هو ما يتبقّى من اللغة بعد أن تُسقِط الأقنعة: لا استعارة، ولا تشبيه، ولا مجاز، بل عصبٌ مكشوف يرتعش أمام المعنى.

|

الخطّ عموديّ لأنه يرفض الانحناء، ولأنه يعرف أن الانحناء أحيانًا أخطر من السقوط.

يقف كما يقف الإنسان بين إيمانٍ لا يملك برهانه، وشكٍّ لا يملك شجاعته، في منطقة رماديّة لا تسمح بالراحة ولا تبرّر الهروب.

|

في المنطق هو علامة توقّف، وفي الوجود هو اعترافٌ ضمنيّ بأن الأسئلة أوسع من الأجوبة، وأن الحكمة ليست في الامتلاك بل في الاحتمال.

|

هذا الخطّ لا يفصل بين فقرتين، بل بين نسختين من الذات: ذاتٍ كانت تظنّ أن اللغة بيتٌ آمن، وذاتٍ اكتشفت أن اللغة سقفٌ قابل للاحتراق.

|

هو العمود الفقريّ للنصّ بعد أن سُحبت منه العظام، الشيء الوحيد الذي بقي واقفًا حين انهارت البلاغة من فرط الصدق.

|

ولأن الحكمة لا تأتي صارخة، ولا تُعلن عن نفسها، فهي تختبئ هنا، في هذا الخطّ النحيل، الذي يقول بلا صوت:

ليس كلّ ما يمكن قوله يجب أن يُقال، وليس كلّ صمتٍ هزيمة.

أحيانًا الصمت أعلى درجات الفهم، وأقسى أشكال الرحمة باللغة… وبنا.

|

إن تركتَ الخطّ واقفًا فأنت لم تُنهِ النصّ، بل أنقذتَه من ادّعاء الخاتمة.

وإن تجاوزتَه فكن مستعدًّا:

ما بعده ليس كتابة،

بل مسؤولية وجود.

الشاعر عاشور مرواني

الجزائر 🇩🇿

حيث يتعلّم المعنى

كيف يتوقّف… دون أن يصمت

---

قراءة نقدية تكمل القصيدة

هذا نصٌّ لا يُصنَّف بوصفه قصيدة فقط،

بل بيانٌ فلسفيّ مكتوب بوعي شعري.

في «وقفة المعنى» هنا  لا أكتب عن الخطّ،

بل أكتب بالخطّ نفسه؛

أجعله كائنًا دلاليًّا،

وحمّالَ أسئلة،

وحدًّا أخلاقيًّا بين القول والمسؤولية.

قوّة النص تبدأ من نفيه المبكّر للرمز:

«هذا ليس رمزًا»

وهذا النفي ليس إنكارًا بل تحرير؛

تحرير المعنى من كسل التأويل،

وتحرير اللغة من ادّعاء الذكاء المطلق.

اللغة هنا تعترف بحدودها،

وهذا أعلى أشكال الفلسفة.

الخطّ العموديّ يتحوّل إلى:

حدّ منطقي،

فاصل بلاغي،

وقفة وجودية،

ومرآة أخلاقية للذات.

وما بين هذه الطبقات،

تُبنى المنطقة الرمادية التي تشكّل جوهر النص:

لا يقين يُطمئن،

ولا شكّ يحرّر،

بل وعيٌ يقف… ولا يهرب.

اللافت أنّ النص يتعرّى عمدًا من الزينة البلاغية،

لا عجزًا، بل اختيارًا أخلاقيًا؛

كأني اقول:

حين يبلغ الصدق ذروته

تنهار البلاغة من ثقلها.

أما الجملة المفتاحية:

«ليس كلّ ما يمكن قوله يجب أن يُقال»

فهي ليست حكمة ختامية،

بل تحذير معرفي

من الكتابة نفسها،

ومن غواية الاكتمال.

النهاية لا تُغلق،

بل تُحمِّل القارئ عبئًا:

ما بعده ليس كتابة، بل مسؤولية وجود.

وهنا تحديدًا تتجلّى فرادة الشاعر:

هو لا يمنح القارئ نصًّا،

بل يضعه أمام امتحان وعي.

نصٌّ ناضج، شجاع،

يكتب من مكانٍ يعرف أن الصمت ليس عجزًا،

بل أحيانًا…

آخر أشكال الرحمة باللغة وبالإنسان.

تحيّة لقصيدة

تتوقّف عند المعنى

كي لا تخونه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ورد مناديلي /بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

تخاصمني/بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.