زمنُ الرَّملِ الهارِب/بقلم الشاعر/عاشور مرواني.

زمنُ الرَّملِ الهارِب
من عمقِ لا زمنٍ أطلَّ تأوُّدي،
فرأيتُ رملاً في كفّي يذوبُ كاللاشيءِ.
لا البدءُ أدركهُ، ولا خَتْمُ الرؤى،
كلُّ ذرّةٍ فيهِ سرٌّ كونيٌّ لا يُدرَكُ مداهُ.
الدربُ حجرٌ، والمتاهةُ لغزٌ خفيٌّ،
والخطوُ صدى وجدٍ أعمقَ منّي يُتردَّدُ.
الشمسُ تغفو في أفقٍ لا غدَ لهُ،
لكنَّ نورَ الرحمنِ فيهِ أبدًا يولَدُ.
يسري إلى القلبِ كسيلٍ صامتٍ،
يُحيي الفكرَ، ويُنيرُ الروحَ إذا أظلَمَتِ الظنونُ.
ليسَ الوقتُ بسائلٍ يجرّ الدقائقَ،
بل صمتُ الأبدِ حينَ يُصغي لنفسه، ويُخلَّدُ.
في كلِّ لحظةٍ تتجلّى ألفُ ولادةٍ،
وألفُ رقادٍ في الوجودِ لا يُعدُّ ولا يُحصَدُ.
كيفَ أُحصي العمرَ، والأمسُ كانَ قبلي،
وغدي أمامي، لا يُرى، ولا يُدرَكُ مقدُدُ؟
الريحُ تهتفُ باسمي، ليستْ فراقًا،
بل أنفاسُ كائنٍ يعانقُ كلَّ ساقٍ ويُستودَدُ.
كلُّ ورقةٍ تسقطُ ليستْ نهايةَ فصلٍ،
بل افتتاحُ صفحةٍ لغناءٍ أزليٍّ يتجلّى ويُردّدُ.
يا سالكَ الدربِ، أوقِفْ عدَّ الأيّامِ،
فالقيامةُ لحظةٌ، والوجودُ مقامٌ يُتّسَدُّ.
فوقَ الرمالِ، وتحتَ سقفِ السماءِ،
تذوبُ أنتَ، ويذوبُ الزّمنُ في بحرِ الفناءِ يُعَدُّ.
هناكَ حيثُ اللا اسمُ، واللا شكلُ،
تلقى ذاتَكَ قبلَ أن تعرفَ كيفَ كنتَ تُشكَّلُ وتُسَدُّ.
والسّاعةُ الرمليّةُ ليستْ سوى ظلٍّ باهتٍ،
لجوهرٍ أبديٍّ في كلِّ ذرّةٍ كامنٍ ومُخضّدُ.
نورٌ من الرحمنِ يسكنُ قلبي،
فيُضيءُ القلبَ، ويُنيرُ العقلَ، ويخرجهُ من نتاعهُ إلى السُّدُدِ.
الحريةُ حقٌّ، أمانةٌ حُرّةٌ من خالقٍ،
لا تُسلب، ولا تُستباحُ، بل تُحرسُ في صمتٍ وصدقٍ يُعتَدُّ.
الحياةُ ليستْ إلا امتحانًا على الوفاءِ،
والحريةُ نورٌ يُظهرهُ الإيمانُ ويُخلّدُ.
والروحُ حينَ تحلّقُ في سماءِ المعاني،
تدركُ أنَّ كلَّ حدودٍ وقيودٍ
ما هي إلا ظلالٌ،
والنورُ الإلهيُّ يرفعها ويجعلها تنصهرُ.
وفي صمتِ الرملِ وتدفّقِ الزمانِ،
تلتقي النفوسُ بقدرتها على الطمأنينة،
وبنورٍ يُضيء القلب، ويكشفُ العقلَ، ويحررُ الإرادةَ.
رحلةُ النفسِ نحو الحقائق العليا،
تبدأ حينَ يتوقفُ السؤال عن المدى،
وتعرفُ أنّ كلَّ ضوءٍ في الداخلِ
يصدحُ بالقدرةِ الإلهية، ويهدي الطريقَ المستمدَّدُ.
ففي كلِّ فكرٍ، وفي كلِّ نبضةِ قلبٍ،
هناكَ وهجٌ يتسلّلُ من السرمدِ،
يضيءُ الظلماتِ، ويكشفُ عن أبعادٍ
لا تُرى إلا بالعينِ الداخليةِ المتألقةِ.
الحريةُ الأبديةُ ليستْ مجرد كلمةٍ،
بل أفقٌ روحيٌّ محفوظٌ بالإيمانِ،
يظلُّ معكَ حينَ يرحلُ كلُّ ما يزولُ،
ويظلُّ معكَ حينَ يضيقُ العالمُ ويُحجَزُ.
نورُ اللهِ فيها يحرسُها،
تشرقُ في القلب، وتُنيرُ العقلَ، وتُحيي الإرادةَ،
فلا يُسلبُها خوفٌ، ولا يُحرمها سلطانٌ،
بل تبقى أبديةً كما كانَ الوعدُ منذ الأزلِ.
هل شعرتَ بها؟
بل هل شعرتَ أنّك حينَ تذوبُ في كلِّ ذرّةٍ من هذا الكون،
تلتقي بالقدرة الإلهية التي تحتضنُ كلَّ الوجود،
وتحمي الحريةَ لتبقى لك… أبدًا؟

الشاعر عاشور مرواني   الجزائر 🇩🇿

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ورد مناديلي /بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.

تخاصمني/بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.