الأملُ بَصيصٌ لا ينطفئُ أبدا/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.
الأملُ بَصيصٌ لا ينطفئُ أبدا
في ذلك البيت القابع على حافة الجبل، حيث تعانق صخور "طبرقة التونسية" ملوحة البحر، كانت "هالة" تعيش عزلةً اختارتها لتهرب من ضجيج نفسها. لم تكن الوحدة تسكن غرف البيت الفارغة فحسب، بل كانت مستوطنةً في روحها التي استهلكتها أضواء العاصمة الزائفة حتى أطفأتها. كانت تعتقد أن دفعها لذلك الغريب نحو الهاوية لم يكن مجرد جريمة، بل كان إعلاناً أخيراً عن موت إنسانيتها، أو ربما صرخة استغاثة من جسدٍ سئم الخنوع لسطوة الآخرين.
دخلت بيتها، وجلست قبالة الموقد الذي كانت نيرانه تتراقص في رمقها الأخير. نظرت إلى وجهها الشاحب في انعكاس المرآة وسألت نفسها: "لماذا هربتِ إلى هنا؟ البحر لا يغسل الفشل، هو فقط يجعل صوته مسموعاً أكثر."
أطرقت برأسها، وشعرت بالذكرى القديمة تطاردها؛ ذكرى إخفاقٍ غابر، وحب ضاع في زحام الطيش. همست بصوت مخنوق: "لقد قتلتُ الكائن الوحيد الذي خاطبني بصدق، حتى وإن كانت صراحته جارحة. أنا لا أستحق السكينة التي يمنحها هذا المكان.
ابتسمت بمرارة، ومدت يدها نحو رماد المدفأة تحرك جمرةً صغيرة كانت توشك على الانطفاء. فجأة، انبعث شعاعٌ ضئيل، خيط رفيع من النار قاوم الركام والبرد. في تلك اللحظة، تناهى إلى مسامعها صوتٌ خافت ومتردد يقول: انظري يا هالة.. هذا الضوء الصغير لا يملك قوة الشمس، لكنه يرفض الموت.
ظنت أن ضميرها قد بدأ يجسّد لها الأوهام، لكن النبرات ازدادت وضوحاً: هكذا أنا؛ تظنين أنني انتهيت، وأنني غُرقت في أعماق الجرف. العنف واليأس لا يملكان قوة الحياة، لكن في أعماقي شيئاً لا تملكين السيطرة عليه.. إرادة تقاوم رغبتكِ في الفناء.
أدارت وجهها نحو المصدر، لتجد الغريب ملقى على الأرض، مثقلاً بالدماء، يزحف نحوها بجسدٍ هدّمته الجروح لكن أحيته الروح. شعرت هالة لأول مرة بمرارة الندم؛ كانت مرارةً طيبة لأنها آتية من قلبٍ ما زال ينبض. أدركت أن فعلتها فوق الجرف، رغم قسوتها، كانت هي الشرارة التي أيقظت غريزة البقاء في روحها الخامدة قبل روحه.
نهضت بذعرٍ ممزوجٍ بالخلاص، وفتحت النافذة. كان الضباب يتبدد، وخيط الفجر ينسلُّ عبر الأفق الرمادي. ارتمت نحو الرجل، حملته بضعفها إلى الداخل، وبين الكمادات والدواء، كانت تمسح جروحه الدامية وهي تهذي: ظننتُ أنني جئتُ إلى هنا لأختفي.. لكنني جئتُ لأنتظر هذا الضوء.
أومأ الرجل برأسه، وبعد وقتٍ ليس بالقصير، نهض ليغادر البيت بخطواتٍ هادئة رغم الألم، تاركاً كلماتٍ ظلت تتردد كـالصدى: "لا تخافي من العتمة التي في داخلكِ.. فالأمل بصيصٌ لا ينطفئ أبداً، يحتاج فقط إلى شجاعة المواجهة ليشتعل من جديد. الأمل ليس شعوراً سعيداً دوماً، بل هو تلك القوة القاسية التي تدفعنا للبقاء وسط الحطام.
حاولت أن تتبعه، أن تعتذر، أو أن تتمسك بطيفه، لكن ساقيها تجمدتا في مكانهما وكأنما سُمّرتا في الإسمنت. ارتمت على الأرض، ومدت يديها نحو ظله المتلاشي متوسلة: عد..
لكنه لم يعد، ولم يلتفت. بقيت هي هناك، عند عتبة الباب، لا تملك إلا الانتظار...
تعليقات
إرسال تعليق