رحــــلــــة العــــمـــــــر/بقلم الكاتب/صالح حباسي.

رحــــلــــة العــــمـــــــر
................ 
سُئلت سيدة عن حالها، فأجابت:
«ليت جمال شبابي اجتمع مع رزانة عقلي الآن في جسدٍ واحد».
أحيانًا نستعيد شبابنا، فنندم على أشياء كثيرة لم نُعرها اهتمامًا في ذلك الوقت. كنا شبابًا تملؤنا الحيوية والنشاط، لا نهاب الصعاب ولا نخشى شيئًا. نبيت في البراري، والأمان في قلوبنا، لأننا نعتقد أن الدنيا كلّها بيتٌ لنا. نمشي بثقة وتوازن، نشعر بثقل أجسادنا على الأرض، وكأننا ندوسها بأقدامنا فتُصدر صداها، وكأنها تقول: مهلاً، تلطفوا بي… أنا الأم الحنون، أنا من يؤويكم، أنا من يضمّكم، أنا من يخاف أن يؤذيكم.
كنا حين نستنشـق الهواء نفعله بقوة، حتى نشعر وكأننا سنسحب الغلاف الجوي كله في شهيقٍ واحد، وحين نزفر كأننا نطلق عاصفة تكتسح ما أمامها.
كانت نكتة واحدة كفيلة بغسل ما يرهق القلب من همّ، تذهب بالحزن كله، تعيد الثقة بالنفس، وتفتح آمالًا جديدة. ما يُحزننا صباحًا كان قادرًا على أن يُسعدنا مساءً.
كنا نحلم بأن نملك الدنيا بأسرها، وكأن في أيدينا خاتم سليمان. نتعب من آبائنا، ونسأل: لماذا لم يفعلوا كذا وكذا؟ نلومهم على ما صاروا إليه، ونقول إنهم أضاعوا أعمارهم في أشياء بسيطة، ولم يغتنموا الفرص.
كانت نشوة الشباب تُغمض أعيننا عن حقائق كثيرة. كان الغرور يتصدر خُطانا؛ كم من شاب اغترّ بصحته ووسامته، وكم من فتاة اغترّت بجمالها وبدلال والديها، حتى بدت الدراسة أحيانًا إضاعة للوقت تحجب عنا لذة الحياة. ومع ذلك كنّا نطمع في مستقبل جميل.
كنا نستعجل المستقبل: نحلم بالحب، بالزواج، بالأطفال، ببيتٍ جميل، بسيارة فاخرة… ولا ندري أن تلك المرحلة التي نعبث فيها هي ذاتها التي ستصنع ما نطمح إليه. لم نكن ندرك أن استعجال الوقت هو استعجال نفاد أعمارنا.
ولا ندري: هل سننجح في تحقيق أحلامنا أم نفشل؟
فالنتيجة واحدة: العمر يمضي كما قُدِّر له. من تفطّن وعمل واجتهد وجد، ومن تلاعبت به أمواج بحر الشبابية، رمتْه على شاطئٍ خالٍ مع جيف البحر.
بعد ربيع الشباب، لا يأتي الخريف مباشرة…
يأتي الصيف أولًا.
صيفٌ طويل، قاسٍ، تُسلَّم فيه الأجساد إلى الشمس بلا ظل. هناك تبدأ الكهولة دون إعلان؛ لا فجأة، بل على هيئة تعبٍ مؤجَّل. نستيقظ وما زال فينا شيء من القوة، وننام وقد استُهلك منها الكثير. نعمل، نكدّ، نحمل المسؤوليات على أكتافٍ لم تُخلق لهذا الحمل الدائم، ونقنع أنفسنا أن الإرهاق عابر، وأن الغد سيكون أخف.
في الصيف تتغيّر ملامح الجسد بصمت. لا يسقط شيء دفعة واحدة، بل يتآكل. تخفّ العضلات التي كنّا نفاخر بها، وتفقد الخطوات مرونتها، ويصير الصعود امتحانًا. الأسنان التي كانت تضحك معنا تبدأ بالانسحاب واحدًا تلو الآخر، ويخفت نور الوجه، لا لأن الروح انطفأت، بل لأن السنين مرّت عليه مرارًا.
ننظر في المرآة فنرى أنفسنا… ولا نراهم.
ذاك الشاب الذي كنا نعرفه ما زال يسكننا، لكننا لم نعد نسكنه.
العمل يعلّم الجسد القسوة. الشمس تحرق، والكدح ينحت في العظام أخاديد لا تُرى، لكنها تُحَسّ. نعود في المساء أقل صبرًا، أقل رغبة في الكلام، وأكثر حاجة إلى الصمت. الأشياء التي كانت تُبهجنا صارت تتطلّب جهدًا، والفرح لم يعد يقفز إلينا؛ علينا أن نبحث عنه، وأحيانًا نكتفي بأن نلمحه من بعيد.
ثم يبدأ الخريف.
لا بضجيج، بل بتساقطٍ هادئ.
يسقط لون الشعر دون إنذار، ويسقط معه شيء من الحضور، من الهيبة الجسدية، من اندفاع الرغبة. تتناقص الأحلام، ويقلّ الأصدقاء، وتتساقط الأوهام الجميلة واحدًا بعد آخر. لم نعد نريد أن نملك العالم؛ نريد فقط أن نفهمه… أو أن نُترك لنفهم أنفسنا بسلام.
وفي الشيخوخة، لا يبقى الكثير ليتساقط.
يبقى الإنسان أخفّ، بعد أن فقد ما كان يثقله.
جسد أقل، وحكمة أكثر، وذاكرة مزدحمة بما لم نقله في وقته.
وحين نلتفت إلى الوراء، لا نندم على الشباب لأنه مضى،
بل نبتسم له…
كمرحلةٍ أدّت دورها، ثم انسحبت بهدوء،
كما يفعل كل فصلٍ صادق مع الزمن.

بـــــــقلم القصاد "صالح حباسي"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ورد مناديلي /بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

تخاصمني/بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.