خداع المخدوع/بقلم الكاتب/محمد الجندي.
خداع المخدوع
لقد أصبحنا بزمنٍ لم يبقَ للضعيف فيه حيلة إلا أن يتظاهر بالاستسلام للقوي.
استسلامٌ يُقدَّم كالهزيمة، وهو بالحقيقة أهم أدوات البقاء داخل المنظومة أطول وقت ممكن.
غير أن كلفة تلك الخدعة ليست ببساطة ما تبدو؛ إذ تزرع بذرة الشك في كل علاقة، ويتحوّل الخداع مع عدم الحسم السريع من وسيلة للبقاء إلى لعنة تلتهم الثقة.
فالخداع لا يعيش إلا في غياب الشفافية، وغياب الشفافية لا يخلق فراغًا محايدًا، بل بيئةً مسمومة بالريبة.
وفي هذه البيئة، لا يظل الأعداء وحدهم أعداء، بل يتحول الأصدقاء إلى خصوم، ويغدو من أردت أن تخادع لصالحه أكثر الناس يقينًا بخيانتك وإن لم تخن.
وهنا تكمن المفارقة القاسية:
أنت من أقنعتهم بعدم صدقك، فصاروا خنجرًا في خاصرتك، خنجرًا أنت من يسنَّ نَصله.
وتزداد المأساة قتامة حين تُفرض الشفافية، لا بوصفها قيمة أخلاقية، بل كسلاحٍ في يد الأقوياء.
فالشفافية، حين تأتي من موقع القوة، لا تكون عدلًا، بل أداة لكشف المخادع في مراحله الأولى.
ولذلك فالمعرفة هنا لا تُمنح كحق، ولا تُقدَّم كفضيلة، بل تُلقى عارية من سياقها، فتغدو عبئًا على من لا يملك الوعي الكافي لقراءتها قراءةً صحيحة.
وهكذا، لا يُطعن الضعيف بخنجر عدوه وحده،
بل يشارك بنفسه في سنّ نصل يصقله بيديه،
ثم يقف عاجزًا،
وهو يرى عدوه يغرسه أعمق في خاصرته.
اقرأها مرة أخرى…
فليست كل قراءة فهمًا،
ولا كل شفافية نجاة.
تعليقات
إرسال تعليق