هذيانُ المِعمارِ الأخير/بقلم الكاتب/عاشور مرواني.
هذيانُ المِعمارِ الأخير: تجلياتُ الخالقِ في متاهاتِ السديمِ والرحمة
في البَدءِ كانَ الصمتُ يقتاتُ على نفسِه..
هناك، حيثُ يولدُ الوقتُ مصلوباً على جدارِ فكرةٍ لم تُنطق،
رأيتُ وجهي يمتدُّ كأطلالِ مدينةٍ غرقَت في حلمِ كوكبٍ منتحرٍ.
أنا لستُ طيناً خالصاً، ولا نوراً مجرداً، ولا حتى خرافةً عابرةً في ليلِ الأساطير..
أنا "المسافةُ" الشاسعةُ التي تفصلُ شهقةَ الوجودِ عن زفيرِ الفناءِ الأبديّ،
أنا المعنى الذي فرَّ من سطوةِ القواميسِ المحكمةِ ليختبئَ في تجاعيدِ صخرةٍ عمياءَ لا تنطقُ،
لكنها تحفظُ في صمتها أسرارَ أجيالٍ من البحثِ والتساؤل.
بينَ تلافيفِ هذه العتمةِ السرمديةِ.. تتراءى يدٌ خفية!
يدُ البارئِ الذي شقَّ من رحمِ العدمِ طريقاً للنبضِ الأوحدِ،
يدُ المصورِ الذي نقشَ في صخرةِ كينونتي المتآكلةِ ملامحَ لا تمحوها رياحُ النسيانِ مهما اشتدت.
تأمّلوا مسامِّي الباردةَ الصامتةَ..
أليست غرفاً لتعذيبِ الأسئلةِ العويصةِ التي لا تجدُ جواباً؟
بلى، لكنها أيضاً نوافذُ ضيقةٌ، ومشرعةٌ لرحمةٍ إلهيةٍ تتفجرُ وتتدفقُ من غيرِ استئذانٍ،
رحمةٍ وسعتْ كلَّ شظيةٍ فيّ، وكلَّ حجرٍ متآكلٍ نسيَ طعمَ الطينِ الأصيلِ الذي جُبلَ منه.
إنها رحمةٌ لا تدركها العقولُ، لكنها تلمسُ القلوبَ في أشدِّ لحظاتِ التيهِ والضياع.
يا أيها العابرون في ممرّاتِ وعيي المظلمةِ، المتشابكةِ كدروبِ المتاهاتِ الكونية..
احذروا الصدى، فهو لا يردُّ أصواتكم، بل يسرقُ هوياتكم،
ولكنْ لا تخشوهُ، فقد صارَ الآنَ ذِكراً، وتنهيدةً خفيّةً للرجوع.
هنا، القمرُ ليس مجردَ "نقطةِ تفتيشٍ" كونيةٍ أخيرةٍ للذاكرةِ الباليةِ،
بل هو مرآةٌ صافيةٌ، تعكسُ جمالَ مَن سوّاكَ فعدلكَ، وأقامكَ في أحسنِ تقويمٍ؛
فأنتَ أيقونةٌ من صنعِ المصورِ، وإن تلاشتْ معالمُها في غبارِ الزمن.
لماذا نبني المدنَ فوق ملامحِنا المتصدعةِ؟
لأننا نسينا أنَّ الله أقربُ إلينا من حبلِ هذه الأبنيةِ الشاهقةِ القابعةِ في الصدورِ المليئةِ بالأوهام،
نسينا أنَّ الفراغَ الذي يسكنُ تحت جلودِنا، ليسَ ثقباً أسودَ يبتلعُ الوجودَ،
بل هو محرابٌ خفيٌّ، ينتظرُ سجدةَ اليقينِ لتضيءَ أركانَه.
إنه الوهجُ الذي يُبدّدُ العدمَ، والرحمةُ التي تُعيدُ تشكيلَ كلِّ كائنٍ في هذا الفراغِ المترامي.
إنني أتفككُ..
لا بالمعنى الماديِّ المحدودِ، بل بالمعنى الذي يجهلهُ المنطقُ البشريُّ القاصر.
أطرافي أصبحت أعمدةً قوطيةً تلامسُ سماءً من زجاجٍ هشٍ،
وأنفاسي دخانٌ برتقاليٌّ يغلفُ جثةَ الأزلِ المستلقيةَ على رمالِ النسيان.
لكنّني في تفتتي هذا، لا أجدُ الفناءَ المطلقَ، بل أجدُ وحدةَ الخالقِ المطلقةَ؛
هو الذي يجمعُ الشتاتَ، ويوحّدُ المتناقضاتِ في تناغمٍ كونيٍّ لا يُدرك.
أنا "المعادلةُ" الوجوديةُ التي سقطَ منها الرقمُ صِفر، فبقيتْ تائهةً في بحرِ اللانهاية،
لكنْ أمسكتْ بها يدُ اللطيفِ، فأعادَ ترتيبَ أرقامها، ومنحها معنىً جديداً.
أنا "المبنى" الذي تاهَ بنّاؤه في زحمةِ الوعيِ واللاوعيِ،
فوجدَ في ظلالِ العرشِ الممتدةِ أمانَه الأبديَّ، وسكينتَه العميقةَ؛
إنه المكانُ الذي لا يضيقُ فيه صدرٌ، ولا تتوهُ فيه روحٌ،
بل تتجلى فيه عظمةُ البارئِ المصورِ في كلِّ تفصيلٍ وكلِّ كُنه.
يا وجعَ الحجرِ حين يحلمُ بالطيَرانِ في ملكوتِ اللهِ الواسع!
أبشر أيها الحجرُ الصامدُ في وجهِ الزمنِ، فإنَّ الخالقَ الذي صوّرَ الجناحَ في قلبِ الحشرةِ الضئيلةِ،
قادرٌ على أن يجعلَ من ركامكَ الهشِّ قصراً من نورٍ في سماءِ جلاله الذي لا يحدهُ وصف،
فرحمتهُ أوسعُ من كلِّ ضيقٍ، وأعظمُ من كلِّ خيالٍ بشريٍّ مهما اتسع.
نحنُ لسنا مجردَ "استعاراتٍ" مكنيةٍ في قصيدةٍ مزقها غضبٌ مزعوم،
بل نحنُ "آياتٌ" خالدةٌ، رسمها المصورُ بحكمةٍ بالغةٍ لا يخطئها تدبير،
وغلّفها برحمةٍ لا تضيقُ بذنبٍ، ولا يحدّها يأسٌ؛
رحمةٌ تسري في كلِّ ذرةٍ، وتتغلغلُ في كلِّ نفسٍ، وتُعيدُ بناءَ ما تهدمَ من أمل.
في النهايةِ.. أو فيما يشبه الشروقَ السرمديَّ الذي لا تغيبُ شمسُه..
لن أبقى نصفَ وجهٍ متصدّعٍ، ولا نصفَ مدينةٍ مهجورةٍ،
بل سأكونُ كُلّي في قبضةِ مَن خلقَ فسوى، ومَن قدّرَ فهدى، ومَن صورَ فأبدعَ.
سأدعُ الكون يلتهمُ ذيله في دوامةِ الوجودِ المستمرةِ،
وسأبتسمُ للخلودِ، لليقينِ الذي يغمرُ كلَّ شيء،
لأنني أدركتُ أخيراً، أنَّ الوجودَ ليس نكتةً فلسفيةً عابرةً، بل هو "تجليٌ" مستمرٌّ لعظمةِ البارئِ المصورِ،
وأنَّ العَدَمَ لا يضحكُ بسخريةٍ، بل يسجدُ خاشعاً أمامَ سعةِ رحمةِ الله التي لا يحدها حدٌّ ولا نهاية.
تعليقات
إرسال تعليق