المعزوفة الجنائزية/بقلم الكاتب/ عبدالفتاح الطياري.

المعزوفة الجنائزية
في قلب مدينة شرقية لا تنام إلا على صرير المجنزرات، كان "يونس" يسير عكس الاتجاه. رجلٌ أربعيني، في عينيه بريق من بقايا حكمة قديمة، يحمل في حقيبته كتباً بدلاً من الذخيرة، وفي قلبه فلسفة يراها الآخرون "خيانة للواقع".
​كان العالم من حوله يغلي، والطبول تقرع في كل زاوية، متبعين تلك المعزوفة الجنائزية التي تحكم العصر:

​يرى يونس أنَّ "الحرب هي حرب الرجال؛ أما السلم، فهو حرب الأفكار". بالنسبة له، السلم ليس استراحة محارب، بل هو المعركة الأشد ضراوة. إنها المعركة ضد التعصب، ضد الجهل، وضد الرغبة الغريزية في التدمير. 
كان يجلس في مقهى شعبي، يحاول إقناع الشباب بأن بناء جسرٍ فكري أصعب وأشرف من هدم جدارٍ خرساني. لكن صوته كان يضيع وسط ضجيج الأناشيد القومية.
​في المذياع المعلق على الحائط، كانت السلطات تردد الشعارات التي تملأ الأفق:
​الحرب هي السلم... لأننا لن نرتاح إلا إذا سحقنا الآخر.
​الحرية هي العبودية...  لأن الانضباط الأعمى خلف القائد هو منجينا الوحيد.
​الجهل هو القوة...  لأن السؤال يضعف العزيمة، والإيمان بالدعاية هو المحرك.
​كان يونس يبتسم بمرارة، يدرك أنهم لا يبحثون عن حلول، بل يبحثون عن "عدو" ليعلقوا عليه خيباتهم.
​يقول يونس لمن حوله: 
الحرب هي الروتين. لقد أصبحت جزءاً من الجدول اليومي، من أسعار الخبز إلى نشرات الأخبار. أما السلم؟ فهو الكذبة الجميلة التي لم يذقها أحد. البشرية، حتى الآن، لم تعرف السلم أبداً؛ ما عرفناه كان مجرد هدنة بين رصاصتين، أو فترة استراحة لتزييت المدافع.
​وقف يونس في الميدان الكبير، وحيداً وسط الحشود التي تطالب بالانتقام. أخرج من جيبه ريشة ووضعها على حافة نافورة جافة، ثم همس لنفسه:
​إذا كان السلم هو حرب الأفكار، فأنا جندي لا يملك إلا فكرته، وفي عالم يقدس الرصاص، سأظل أنا الاستثناء الذي يثبت القاعدة.
​رحل يونس، وبقيت ريشته تطير مع الريح التي تسبق العاصفة، شاهدةً على رجلٍ حاول أن يجد "الإنسان" في غابة من "المحاربين".
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ورد مناديلي /بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

تخاصمني/بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.