​حين يوقظ الطبلُ/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.

​حين يوقظ الطبلُ
يقال إنَّ الخديعة لا تقتل دفعةً واحدة، بل تتسلّل إلى الروح كما يتسلّل البرد في ليالي الشتاء، حتى يضحي الصدرُ غرفةً مهجورة، تتدلّى في أركانها الذكريات كأقمشةٍ بالية.
​في ليلةٍ ساجية من ليالي رمضان، كانت المدينة تغفو تحت سماءٍ شاحبة. المصابيح المعلّقة على الأعمدة تنثر ضوءاً أصفر كسيراً، كأنه اعتذارٌ متأخرٌ عن عتمة الأزقة. وفجأة، تجمّر انتباه المارّة ظلٌّ يتأرجح فوق أحد الأعمدة؛ ظلٌّ طويلٌ ونحيل، بدا كسؤالٍ معلّقٍ بين الأرض والسماء.
​كان "سالم"، رجل "البوطبيلة"*، يجوب الأزقة يقرع طبله بإيقاعٍ رتيب، يذكّر الناس بسحورهم ويوقظ الغافلين من سباتهم. وحين رفع عينيه، تجمّد الإيقاع في يده، وسكن النبض في خشبة الطبل؛ لم يكن الظلُّ وهماً.
​كانت امرأة.
​تتدلّى بجسدٍ واهن، وثوبٍ أسود يلتفّ حولها كليلٍ ثانٍ. اقترب مذعوراً، وتسلّق العمود بما تبقّى في صدره من أنفاس، ثم قطع الحبل المرتجف، لتسقط بين ذراعيه كريشةٍ مكسورة.
​لم تكن ألفة مجنونة، بل كانت مخدوعة. رسّامةٌ تعيش بين ظلال الألوان أكثر مما تعيش بين البشر. أحبّت رجلاً عشق لوحاتها أكثر مما عشق روحها؛ وعدها بمعرضٍ باذخ، وبمستقبلٍ لامع، وبحياةٍ لا يطالها الظل. لكنها اكتشفت - حين فات الأوان - أنها لم تكن سوى لوحةٍ أخرى في رواق غروره.
​حين تجلّت الحقيقة، انكسر في داخلها شيءٌ لا يُرمّم. شعرت أنَّ العالم مسرحٌ زائف، وأنها الممثلة الوحيدة التي لم تُدرك أنَّ العرض كان خدعةً منذ الستارة الأولى. الجمال الذي آمنت به صار قناعاً، والكلمات التي صدّقتها استمالت لتصبح مرايا تعكس فراغها الموحش؛ فاختارت ذلك العمود لتعلّق عليه آخر خيباتها.
​أما سالم، فقد قضى عمره يوقظ الآخرين، ولم يظن يوماً أنَّ هناك من سيوقظ قلبه. كانت حياته بسيطة، إيقاعها واضحٌ كضربات طبله المنتظمة قبل الفجر. لكن ألفة أدخلت إلى أيامه ارتباكاً شفيفاً.
​رعاها في البداية كمن يحرس جمرةً خافتة من الريح، ثم أحبّها كما يحبُّ الغريقُ اليابسة. نشأت بينهما علاقةٌ خفيّة، تبدأ في السَّحر حين ينام الخلق، وتنتهي مع أول خيطٍ من ضياء الفجر.
​عادت ألفة إلى الرسم، لكن ريشتها تبدّلت؛ رسمت أعمدةً كهربائية تتحوّل إلى أشجار نور، وحبالاً تنقلب أشرطةً من حرير، ورجلاً يحمل طبلاً ويمشي نحو الأفق بلا وجه، كأنه رمزٌ للنجاة أكثر منه بشراً. كان حبّهما سرّاً هشّاً، يخشى العلن كما تخشى النجوم شمس الظهيرة.
​غير أنَّ المسرح لا يخلو من عودة الممثلين القدامى. عاد "الخادع" الأول بأناقته المعهودة وابتسامته التي تتقن غزو القلوب المتعبة. وعدها هذه المرّة بشهرةٍ حقيقية، وباسمٍ يلمع في صدر الصحف، وهمس لها: "إنَّ الفن لا يليق به الاختباء في الأزقة الضيقة".
​ارتجفت ألفة؛ فالمكيدة حين تتكرّر بلسانٍ معسول، تصبح إغراءً لا يُقاوم.
​فهم سالم ما لم تقله عيناها. وفي تلك الليلة، قرع طبله طويلاً وبقوة، حتى بدا الصوت كأنه قلب المدينة ينبض خارج صدرها. لم ينظر نحو العمود هذه المرة؛ كان يدرك أنَّ بعض النفوس لا تبحث عن النجاة، بل عن "الحلم"، حتى لو كان ثمن الحلم حبل مشنقةٍ جديد.
​بعد أشهر، افتُتح معرضٌ ضخم حمل اسم "ألفة" بحروفٍ من ذهب. تهافت الزوار على لوحاتها التي كانت تصرخ بالجمال والوجع معاً. وفي زاويةٍ قصيّة من القاعة، عُلّقت اللوحة الأخيرة:
​عمودُ إنارةٍ تحت سماء الفجر، طبلٌ صغيرٌ ملقىً على التراب، وظلّان متباعدان.. لا يلتقيان أبداً.
​قيل إنَّ ألفة نالت شهرةً آفاقية، وقيل إنَّ سالماً اختفى من الأزقة منذ تلك الليلة. يقال إنَّ ذلك الطبل كان يحمل في جوفه كل شغف ومرارة صاحبه الذي تحطم قلبه على يد فنانةٍ حالمة؛ طبلٌ يملك قدرةً غريبة على سحر من يعزف عليه، فيسمم الأرواح بالوجد ويغرقها في جنونٍ لا خلاص منه.
​أما سالم، فقد آثر الانسحاب بصمت، تاركاً "الحلم" يترعرع بعيداً عن "كهرباء" المسرح وزيف الأضواء. لكن في ليالي رمضان، وحين يقترب السَّحر، يقسم بعضهم أنهم يسمعون صدى طبلٍ بعيد.. لا أحد يدري أهو يوقظ الناس للسحور، أم يوقظ القلوب من أوهامها قبل أن تتدلّى من جديد.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس 
*بوطبيلة : المسحراتي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ورد مناديلي /بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

تخاصمني/بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.