طرب التفاح /بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.
طرب التفاح
مضت المعلمة نحو مدرستها، وفي حقيبتها دقيق وبيض، حليب وزبدة وتفاح. مضت لتعجن كعكة الحياة مع ثلاثين طفلاً لم تتجاوز أعمارهم غضاضة الربيع الرابع. هي ترسم الحركات الأولى، وهم، بأيدٍ صغيرة مرتبكة، يشرعون في مغازلة العجين.
يا ليت زبائن السياسة عندنا يقتفون أثرها، فيصنعون كعك التفاح مع المواطنين. لو أنهم غمسوا كبرياءهم في طحين الفرينة، لصاروا أكثر إنسانية، وأشد تواضعاً. لو فعلوا، لنسوا لبرهة غريزة الفتك بكل من يحدق بعروشهم أو يهدد طموحاتهم. إنهم يغتالون في دواخلهم أقدس الروابط، تائهين في سعار لا ينتهي لانتزاع الحب، واستجداء الإعجاب، واحتكار التصفيق.
المعلمة هناك، تتوسط مملكتها الصغيرة، لا تطلب شيئاً. الكل يهيم بها عشقاً لأنها تقاسمت معهم سرَّ التفاح. تطعمهم بابتسامة تفيض عذوبة، ثم تمضي عند الغسق لتناجي التلال. هي مع الأشجار والطيور كما هي مع الأطفال، كيان واحد. فما الحب إلا بساطة، إيماءات رقيقة تولد من ثغر مبتسم. أما الوجوه الزائفة فلا تصنع إلا حباً مشوهاً. هؤلاء السياسيون يخلطون بين بريق النجاح وزيف المجد، وبين جوهر الحب الصافي.
أهل السلطة يشيدون صورهم وشهرتهم بهوس المجاذيب، أما هي، فتبني برفق وتواضع كينونة الرجال والنساء، وسط عبق التفاح وشذا الكراميل. إنها تصوغ بناة الغد. والأطفال، في غمرة مِحنتهم، يغدقون عليها حباً وابتساماً، حتى لتغدو مع كل شروق أكثر جمالا و حسناً و بهاءً.
ومن وراء نافذتي، أرنو إلى هذا العالم العابر. في مطبخي، أستحضر روح القهوة وعطر الشرق الأزلي. أوصد أذني دون المذياع؛ فما هو إلا صدى للخراب، وبحر من الدماء، وصفقات مريبة بين خصوم يرتدون قناع الصداقة، وتلال من الزيف والفساد. هي الأكاذيب ذاتها، تعيد تدوير نفسها كل مساء.
منذ قرابة نصف قرن، كنا شباباً نؤمن بأن زمن الحب والكرم قد دنا قطافه، فنقشنا أحلامنا على جدران المدن. لكن الأنانية هي التي تسيّدت مستبدةً بكل شيء.. النرجسية و البربرية. لم أكن واهماً حينها، بل كنت في العشرين، بقلبٍ يرى ما لا يراه المبصرون.
والآن، كما في كل يوم، يطرق الصغار بابي، يحملون لي نصيبي من "كعكة اليوم".. وهنا، وفي هذه اللفتة، يكمن كل سعادتي و هنائي.
تعليقات
إرسال تعليق