مقاماتُ العابرِ بين الرملِ والعدم/بقلم الشاعر/عاشور مرواني.

مقاماتُ العابرِ بين الرملِ والعدم

لا أمشي على الرملِ،
بل على ما تساقط منّي.
كلُّ خطوةٍ خلعُ ظلّ،
وكلُّ ظلٍّ قشرةُ وَهمٍ
حسبَ نفسَه جذعًا.
الوقتُ لا يرنُّ في ساعة،
بل ينكشفُ بغتةً
كنافذةٍ شُقّت في جدار العادة.
ليس رقمًا يذبل،
بل يدًا خفيّة
تنزع عن الروح جلدَ التأجيل.
إذا انسحبتِ الأيّامُ من تحت اسمك،
ماذا يبقى
غيرُ رجفةِ معنى؟
الساعاتُ الضخمةُ
غارقةٌ في رمالها،
وعقاربُها متيبّسةٌ
كأصابع ناسكٍ
نسي الذِّكرَ
حين ظنَّ أنه وصل.
لم يكن الزمنُ صيّادًا—
نحنُ من تعلّق بدوائره
حتى داهمنا الدوار.
لسنا نرتجف من الموت،
بل من لحظةِ انكشافٍ
يسقط فيها القناع،
ولا يبقى بين الوجهِ والمرآة
إلا صدقٌ عارٍ.
الفراغُ ليس خواءً—
بل صفاءٌ
يمحو الزائدَ من ملامحنا.
الساعةُ الرمليةُ
تنزف ذهبًا ببطء.
كلُّ حبّةٍ تهبط
عمرٌ لم ننتبه له.
في الداخل
تتراكبُ طبقاتُ التعلّق:
مديحٌ كوسام،
صورةٌ كظلّ،
وخوفٌ قديم
يغرس جذوره في الطفولة
ليدّعي البقاء.
فنمنح الجمودَ اسمَ الوقار،
ونمنح الهروبَ هيئةَ البصيرة.
الزمنُ معلّمٌ صامت.
من تشبّث به تحجّر،
ومن أصغى إليه
تشقّق…
فتسرّب النور.
وحين سقط المركز،
اتّسع المدار.
والـ«أنا»
لم تكن سوى نقطةٍ
أرهقها الادّعاء.
خفّف اسمك—
فالأسماءُ إذا ثقلت
أبطأت خطى أصحابها،
وإن خفّت
عبرتْ بهم إلى ما وراءهم.
الحقيقةُ لا تحتاج لافتة؛
تكفيها يقظة.
في كلِّ غروبٍ
ينطفئ مصباحٌ خارجك،
وفي كلِّ انتباهٍ
يولد فجرٌ بلا جهة.
السنواتُ إن لم تذب،
تراكمت حجارةً حول القلب،
ومن أذابها
صار خفيفًا
كندىً
لا يُمسك.
إذا طُمرت الساعاتُ في الرمل،
فلا تنبشها—
كن الرملَ
حين ينسى شكل الكثيب،
ويصير امتدادًا بلا اسم.
هناك
لا يمرُّ الوقت،
بل ينحلّ.
ولا يبقى من البقاء
إلا صفاءٌ
لا يحتاج عقارب
ليكون.
وفي اللحظةِ
التي يتعبُ فيها الرملُ من عدِّكَ،
ويتعبُ الاسمُ من حملِك،
ويتعبُ الزمنُ من مطاردتِك—
تسقطُ الحبوبُ كلُّها دفعةً واحدة.
لا يبقى عابرٌ
ولا طريق،
ولا جهةٌ تشير.
ينطفئ السؤال
كما ينطفئ المصباحُ عند الفجر.
وما كان يُسمّى وقتًا
يصير شفافيةً.
وما كان يُسمّى أنت
يصير عبورًا.
ثم…
لا شيء يحدث.
إلا اتّساعٌ
لا يعرف أنّه اتّسع.

الشاعر و الأديب عاشور مرواني - الجزائر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ورد مناديلي /بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

تخاصمني/بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.