فلاش باك/بقلم الكاتب / ماهر اللطيف.

فلاش باك
بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳

كنا نمشي في حال سبيلنا ذلك الظهر، فرادى وجماعات، بعد خروجنا من المسجد، حين توقفنا فجأة احترامًا لجسدٍ محمولٍ على الأعناق، في طريقه إلى المقبرة، حيث سيوارى التراب ويودّع هذا العالم بما فيه من تناقضات. كنا قد فرغنا توًّا من صلاة الجنازة على روحه.

في تلك اللحظة، أدركت دون تردد أن الموت هو الحقيقة الوحيدة في هذا الكون؛ قدرنا المحتوم الذي لا مهرب منه، مهما حاولنا أو توارينا. ليس المهم أن نبلغه، بل كيف نبلغه: محمّلين بأفعال طيبة، وأقوال صادقة، قريبين من الله، مجتهدين في طاعته، مجتنبين الشر ما استطعنا.

تسمّرت مكاني أذكر الله وأدعو لذلك الميت الذي لا أعرفه، سوى أنه رجل، كما قال الإمام. أحدّق في المشهد المهيب وأقول في سرّي:
"اليوم أرى غيري محمولًا على هذه الألواح، وغدًا أُحمل عليها… فمن سيدعو لي يا ترى؟"

سرحت فجأة، دون استئذان، فاستنجد عقلي بحوار قديم دار بيني وبين صديقي الحميم أنور، ذات مساء بعيد. كنا آنذاك نحتسي نبيذ الحياة، كأسًا بعد كأس، حتى تمايلنا بين ضحكٍ وبكاء، بين وعيٍ وانطفاء.

قلت له، وأنا أتجرع مرارة أيامي، والدمع يخذلني:

– سئمت الحياة يا نصفي الجميل… فشلت في كل شيء منذ ولادتي ولا أزال.

ربت على كتفي بلين وقال:
– اهدأ أيها الحنون، اذكر الله، واحمده، فهو المنجي من كل كرب.

– الدراسة، الحب، الزواج، العمل، الأبناء… كلها مراحل انتهت بالفشل. أنا إنسان سلبي إلى أبعد الحدود.

ابتسم وقبّل جبيني:
– بل أنت إيجابي، حالم، طموح. ناجح أكثر مما تظن. يكفي أنك مستقر في حياتك الأسرية، تدير شؤون عائلتك بحكمة… كثيرون لم يبلغوا ما بلغته.

ظلّ يعدد إنجازاتي التي لم أكن أراها، حتى قلت له بمرارة:
– أنا تائه… أبحث عن نفسي في كل مكان، أظنني سيد الموقف، فينبذني الجميع فأغدو عبدًا له.

قهقه حينًا، وقاطعني حينًا آخر، وهو يشحذ وازعي الديني، محذرًا من التمرد على واقعٍ يحسدني عليه كثيرون، ثم قال بلهجة حاسمة:

– لا تجرِ وراء السراب يا عبد العزيز. الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها أو الفرار منها هي الموت… لا ينجو منه فقير ولا غني، صحيح ولا مريض.

أحسست بيدٍ تكزني فجأة. استفقت على صوت رجل لا أعرفه يقول:
– تحرك، لو سمحت سيدي… دعنا نمر.

كفكفت دموعي، وابتسمت معتذرًا، وقلت في سرّي:
"امضِ وراء دنياك ما دمت على الأرض… فكلنا عائدون ترابًا. إياك أن يغرك هذا الكون، فتخسر الدنيا والآخرة."

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ورد مناديلي /بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

تخاصمني/بقلم الشاعرة/هانم عطية الصيرفي.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.