من الصفر/بقلم الشاعر/عاشور مرواني.
من الصفر
كان الصمتُ وطنًا.
لا فراغًا،
بل مكانًا خفيًّا
ألوذ به
كلّما ضاق العالم
بما فيه.
ثم ابتعدتُ عنه
قليلًا،
وملتُ نحو اللغة.
جئتُ أبحث في الحرف
عمّا يشبه الحقيقة،
أو يلامسها.
لكنّ الحرف
كان أسبق منّي:
ما إن مسستُه
حتى وجدتُني
في قبضته.
صار كيانًا
أقمتُه بيدي،
ثم وقفتُ أمامه
مشدودًا إليه.
هذا النطق
ليس براءة.
والبوح
ليس نجاة.
إنّه الثمن
الذي ندفعه
كي لا يتجمّد الزمن
في داخلنا.
أنا السجين.
لكنّ القضبان
ليست من حديد.
إنّها عبارات،
وصور،
وجمل
كلّما صقلتُها
ضاقتْ عليّ.
أبني من الحساب
وهمَ نظام،
وأظنّ أنّ الأرقام
قادرةٌ على تهدئة الفوضى.
لكنّ الموج
ينهض من الداخل
كلّما ظننتُ
أنّه هدأ.
هل كان أحدٌ يدري
أنّ الشعر
لا يسكن الإنسان
ليمنحه الطمأنينة،
بل ليوسّع فيه
مواضع القلق،
ويفتح الأبواب
التي يخافها القلب؟
نذهب إلى العدم
لا لنلغيه،
بل لنعطيه
اسمًا،
وشكلًا،
وحدودًا
يمكن احتمالها.
ثم نكتشف
أنّ الحروف نفسها
كانت تشيّد قيدها فينا.
تمرّ خمسون سنة،
أو ستون.
لا فرق.
العمر هنا
لا يُقاس بما مضى،
بل بما استُهلك
في خدمة الحرف،
وفي البقاء
داخل هذا الأسر الجميل.
قد ينال الشاعر
اسمًا كبيرًا،
أو لقبًا،
أو ما يشبه المجد،
لكنّ الكلمات
لا تعبأ بهذا كلّه.
لها عنادها الخاص،
ولا تطيع تمامًا
من يقولها.
أريد الحقيقة
بلا زينة،
بلا وزن
يسبقها إلى صورتها،
وبلا قافية
تدفع المعنى
إلى خاتمة جاهزة.
أريدها
عاريةً
بقدر ما يُحتمل العري،
وحادّةً
بقدر ما تُحتمل النجاة.
لكنّ الحروف
لا تترك أحدًا حرًّا.
إنّها تختار طريقها،
وتغلق سواه،
ثم توهمنا
أنّنا نحن
من اخترناه.
يا هذا السرّ
الذي يخفى
حتى على خدمه،
لا يعرفه
إلّا من خرج
عن عهده الأوّل،
ثم فهم متأخّرًا
أنّ الخيانة
قد تكون
وجهًا آخر
للإخلاص.
نحن ضحايا النصّ،
ونحن صانعوه.
نرفعه
كي يحفظ هشاشتنا،
ثم ننحني له
حين تكتمل سلطته.
ومع ذلك
يبقى سجنَنا الوحيد
الذي يشبه الطمأنينة.
خارج اللفظ
يكون العالم
أبرد،
وأوسع،
وأقسى
من أن يُحتمل
بلا معنى.
فليشهد الصفر:
الحرف سيّدُنا.
ونحن في هذا الأسر
لا نعبر مرورًا،
بل نقيم.
نقيم في القيد
كما لو كان بيتًا،
ونحمل جرح اللغة
كما لو أنّه
أجمل ما تركه القدر
في أرواحنا.
تعليقات
إرسال تعليق