ذباب الخريف زعموا أن رجلاً حكيماً من أهل الفضل والبصيرة كان يُدعى «صالحاً»، اعتزل صخب الناس ونزل في بستانٍ وارف الظلال، التمس فيه خلوةً لتهذيب النفس وتدوين الحكمة. وبينما هو جالسٌ في سكون، قد بسط أوراقه وأعدّ زاده، هبطت عليه ذبابة مهينة الشأن، رقيقة الجناح، سوداء المظهر، دنيئة المورد. حطّت الذبابة على صفحة كتابه، فنهرها بيده هشةً خفيفة، فطارت قليلاً ثم عادت تلحّ كأنها لم تُزجر. ولم تزل تدور في أرجاء المكان، تقع تارةً على درن الأرض وما فسد من الثمار، وتارةً أخرى تقصد إناء طعامه وموضع شرابه، حاملةً على قوائمها الدقيقة خبيث الداء ورجس الطريق. اشتدّ غيظ صالحٍ واحتدم صدره، وقال لنفسه: «ما بال هذا المخلوق الهزيل يجرؤ على إفساد صفوي وتلويث عيشي؟ لأرينّه بأسي!». تناول جريدة نخلٍ ونهض طائش اللبّ، فبدأت بينهما المعركة. كان يضرب الهواء بكل ما أوتي من بطش، فتفلت الذبابة بخفّة مروّعة، محدثةً بطنينها دوياً كأنه السخرية والاستهزاء. وكلما أفرط صالح في الغضب، طاش عقله وضاعت ضرباته؛ فكسر إناء مائه، ومزّق ثوبه، وسقط على الأرض مجهداً وقد جرح جبينه، بينما حلّقت الذبابة في أمان. حاول الرجل استرداد رشده،...