قرأت لكم/بقلم الكاتب/عبدالحليم نغبال .
قرأت لكم من المجموعة القصصية: هي أطهر، مقتطف من قصة: ليلة من البطولة
لم تكن هذه اللّيلة هادئة فقط بل كانت ليلة متميّزة عن باقي اللّيالي الّتي يغزو دجنتها سواد كالح تكسره أنوار القمر الّتي تكاد تخنقها سحب سمحاقية، لقد حلّ بدارنا جدي "رابح" الّذي تجاوز عمره الثّمانين سنة ونيّفا، وعلى الرّغم من كبر سنّه إلّا أنّه لم يَفْقِد تلك الملامح الرّزينة والوقفة المهيبة، وروح الدّعابة الّتي تفرّد بها عن غيره، وإلى كلّ هذا لا يزال يتمتع بذاكرة قويّة لم تهزمها غوائل السّنين، ولا أثّرت فيها صروف الدّهر على كثرتها.
تحلَّقنا حوله كما نفعل في كل مرة يزورنا فيها بعد أن تضع حرب الملاعق أوزارها، نتحلّق حوله ليروي لنا بطولة شعب أبى أن يُستعبد، شعب التحف الكفن، وهو حيّ، واستأثر الموت على أن يُستذلّ أو يستعبد. لا أنسى تلك الجملة الّتي كان يردّدها دائما ويقرع بها مسامعنا قبل أن يشرع في قصّ بطولة من بطولات هذا الشّعب الأبيّ: "إنّ هذا الوطن طيّبٌ طاهرٌ وأرضه مباركة فقد فداه الشّهداء بأرواحهم، وسقوْا تربته بدمائهم".
لكن هذه المرّة قام من مكانه، وجلس على الأريكة على غير عادته، واستند متكئا على جناحها، معتمدا على ساعده، كأنّ الحدث الّذي سيلقيه على مسامعنا والقصّة التي سيرويها لنا لا بدّ أن يجلس لها هذه الجلسة، ويعتدل لها هذا الاعتدال، سحب نفسا طويلا إلى صدره، ثمّ أطلق تنهيدة طويلة، حسبنا روحه تفيض معها إلى بارئها، ثمّ راح يقول:"سأحدّثكم اللّيلة عن بطولة الشّهيد "سي لخضر" في معركة كُتِبتْ صفحات بطولتها بأبلغ كلمات البسالة وأرقى عبارات الشّجاعة، كتبها شعب يرفض الذّل والانقياد، ويتطلّع إلى الحريّة الّتي يرى أنّه لن يعانقها ولن تُشرق شمسها عليه حتّى يقدّم النّفس والنّفيس، ويبذل لأجلها الغالي والرّخيص. هذه المعركة أذعن فيها هذا الشّعب الأبيّ على قلَّة عدده وبساطة عدّته القتاليّة كبرياءَ العدوّ، وكبّده خسائر فادحة لم يهضمها عقلـه، ولم تستصغها نفسه ...
تعليقات
إرسال تعليق