الشحيح/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.
الشحيح
كان "فرحات" يرى في الدينار كائناً حياً لا يجب أن يُغادر عرينه؛ لم يكن يعتبر نفسه بخيلاً، بل كان يرى في الإنفاق "خيانةً للمادة". صاغ لنفسه مذهباً سماه "فلسفة الضد": ضد الهدر، ضد الرفاهية، وضد بهرجة الحياة التي تسرق جيوب الحمقى.
في غرفته التي لا تُنيرها إلا شمعةٌ واحدة لأن الكهرباء "ترفٌ بصري"، كان يجلس بقميصه الذي بهت لونه حتى صار بلون الغبار، يُحدّث نفسه: "هذا القميص يستر جسدي، فما حاجتي لغيره؟ أليست الأناقة عبوديةً لعين الآخر؟".
كان يرتاد السوق في نهاية اليوم، حين تذبل الخضروات وينخفض سعرها، فيبتاع بضع حباتٍ من الطماطم المجعدة، ويقنع نفسه بأن طعم "الرخص" أشهى من طعم "الجودة". بالنسبة لفرحات، كل ورقة نقدية تخرج من محفظته هي قطرة دمٍ تُسفك من عروقه.
ذات ليلة، وبينما كان يحصي دنانيره المخبأة في جرةٍ قديمة، سرت برودةٌ في أطرافه. نظر إلى ثروته وقال: "لقد هزمتُ العالم؛ لم آكل من خيراته، ولم ألبس من حريره".
لكنه حين حدّق في مرآته المتشققة، لم يرَ فيلسوفاً، بل رأى شبحاً يحرسه الذهب. لقد غرق في عدمه حتى صار هو نفسه مجرد رقمٍ في حسابٍ بنكي لا يجرؤ على لمسه؛ كان يظن أنه يملك المال، بينما كان المال هو الذي يسجنه خلف قضبانٍ من الحرص.
اكتشف فرحات -متأخراً- أن فلسفته في "الاستهلاك بلا استهلاك" لم تكن إلا رحلة في الاتجاه المعاكس للوجود. فبينما يغرق العالم في حمّى الشراء ليمتلك الأشياء، غرق هو في حمّى الامتناع لتمتلكه الأرقام.
أقام "جمهورية العدم" الخاصة به، حيث الطعام وقود بيولوجي بحدوده الدنيا، والثياب غشاءٌ يستر الفراغ لا غير. ظن أنه يتحرر من عبودية الموضة وغلاء المعيشة، لكنه سقط في عبودية أشد قسوة: عبادة الحرمان.
إن حكمة البخيل هي مأساته الكبرى؛ فهو الشخص الوحيد الذي يموت جوعاً وهو يملك ثمن مائدة، ويموت برداً وهو يلتحف الذهب.
لم يكن فرحات يرى في السفر استهلاكاً، بل كان يراه "غسيلاً للأموال من دنس التملك". كان يبخل بشراء رغيف خبز طازج في مدينته، لكنه يقطع تذكرة طائرة إلى أقاصي الأرض دون أن يرفّ له جفن. بالنسبة له، شراء الغرض قيد، أما شراء التجربة فرار.
في السفر، كان يتحول من "فرحات الحريص" إلى "سندباد المقامر". هناك، خلف الحدود، يختفي "قناع الضد" ويذوب منطق التوفير؛ فينفق بلا حساب على تذاكر القطارات، وغرف الفنادق التي تطل على جبال لم يطأها أحد، ووجبات في مدن غريبة لا يعرف فيها أحداً. كانت فلسفته الجديدة تقول:
أنا لا أشتري بضاعة تُبلى أو تُسرق، أنا أشتري لحظةً تذوب في خلايا ذاكرتي. المال الذي يُدفع في الأثاث هو جدار، والمال الذي يُدفع في السفر هو أفق.
كان يتلذذ باستهلاك الأمكنة والمسافات، وكأنه يعاقب المال الذي كدسه بحرمانه من الاستقرار. يشتري الريح، والمطر، وصوت المطارات، وضجيج الأسواق الغريبة، ثم يعود إلى غرفته المظلمة بقميصه المهترئ ليأكل خبزاً يابساً.
كان فرحات مَلِكاً في الغربة، وشبحاً في الوطن.
لقد تحول من "إنسان" إلى "حارس"؛ حارس أمين على ثروة لن يلمسها، وخازن لمدخرات سيوزعها الورثة بلمحة بصر. لقد انتصر فرحات على الأسعار، لكنه خسر الحياة بـ "الضربة القاضية" من الصفر الذي كان يقدسه.
تعليقات
إرسال تعليق