حكاية في إطار الزمن(بقلم الكاتبة/هانم عطية الصيرفي.
حكاية في إطار الزمن
___________
مع التكنولوجيا والحداثة، رأيتُ على هاتفي صورةً بالأبيض والأسود لشارعٍ مصريٍّ في الستينيات، وكان صاحب الصفحة يستخدم أداةً لتحريك الأشخاص في الصورة.
اندهشتُ كثيراً وشعرتُ بسعادةٍ غامرة أنستني أنني هنا في عام 2026، وأن هذه الصورة تعود لستينيات القرن الماضي.
لقد كان الشارع المتحرك في الصفحة مكتظاً بالناس، وكأنه سوقٌ ما زال جزءٌ منه قائماً في شوارع وحواري مصر القديمة
كان في الصورة رجلٌ يبدو أنه يلمع الأواني النحاسية، وبجواره بائعٌ آخر يبيع الأواني النحاسية، وبين هذا وذاك رجل يدور على دكاكين الشارع بمبخرة تمنع العين والحسد، وكانت تقف امرأةٌ تلفُّ "ملاءتها" السوداء على جسدها الممشوق، فتبدو "بنت بلد" تعرف كيف تنزل السوق لتشتري ما يلزمها.
وعلى كتفها طفلٌ صغير يتشبث بمنديل أمه القوية. وهناك رجلٌ بجوار "حنطور"، لا أعرف يقيناً؛ هل كان ينتظرها أم أنه صاحب الحنطور يتسكع لمشاهدة تلك "السنيورة"؟
ورأيتُ هناك بائع "عرقسوس" يضرب صاجاته، فيلتفُّ حوله الظمأى، ومن بينهم فلاحٌ يبدو أنه في زيارةٍ للمدينة ليشتري لوازم "السبوع"؛ يحمل إبريقاً مزيناً بالورود وحزمة من الشموع.
ووسط الحشد، كانت هناك عربة تخترق الطريق والكل يتجنبها، وعلى سطحها رأيتُ نسوةً يضحكن ويتغامزن. ولمحتُ من بعيد حماراً يمتطيه رجل، وخلفه "بؤجة" كبيرة يحمل فيها خضاراً.
تتبعتُ تلك المرأة ذات الملاءة إلى أن خرجت من السوق وطرقت باب دارٍ، ففتحت لها امرأةٌ عجوز تلقفت منها الصغير وأمطرته بالقبلات. يبدو أنها "أم أبيه" (الحماة)؛ فلو كانت "أم أمها" لارتمى في أحضانها!
انحنت المرأة في المطبخ حيث وجدت الحوض مليئاً بالأطباق؛ بدا الغضب على وجهها لكنها كانت حليمة ابتلعت الضيق، بينما كانت الجدة تحايل الصغير بقطعة من "غزل البنات"، تارةً باللين وتارةً بالقسوة.
وأخيراً، نام الطفل ونجا بأعجوبة من الجدة "القاسية" على أمه، مسلّماً نفسه للنعاس، مفضلاً إياه على البقاء في حضن امرأةٍ لا ترحم أمه.
_________________________
تعليقات
إرسال تعليق