سيف القوي/بقلم الكاتب/ عبدالفتاح الطياري.
سيف القوي..
كان "آدم" يفتخر دوماً بصلابة مبادئه، يراها كقلعة حصينة لا تُقتحم. كان يظن أن الحقيقة ملك يمينه، وأن العالم مجرد لوحة رسمها هو بألوان قناعاته الخاصة. وفي ليلة باردة، جلس أمام مكتبه القديم يراجع مذكراته التي خطّها عبر السنين.
فجأة، توقف عند جملة كتبها في ريعان شبابه: "العدالة هي سيف القوي حين يرحم".
شعر بوخزة غريبة تسللت إلى أعماقه، وسأل نفسه لأول مرة: "هل كنتُ حقاً أؤمن بالعدالة، أم كنتُ أُشرعِنُ القوة فقط لأنني كنتُ في جانبها؟"
هنا بدأ الصراع؛ كان عليه أن يفكر ضد نفسه. لم يكن الأمر مجرد شك عابر، بل معركة طاحنة بين "آدم القديم" و"آدم المتسائل". بدأ يفكك جدران قلعته حجراً بحجر، فكل فكرة كانت تبدو له بديهية، أصبحت الآن موضع اتهام. أدرك حينها أن أصعب أنواع الحرية هي التحرر من سجن "الأنا"، وأن أسمى درجات الشجاعة هي أن تنظر إلى خزينة عقلك وتجرؤ على قول: "كنتُ مخطئاً".
في تلك الليلة، لم ينم آدم. لم يغلق مذكراته، بل فتح صفحة جديدة بيضاء تماماً وكتب:
"بدأتُ أفهم أنني مزيجٌ من كل الذين التقيتُ بهم، وحتى أولئك الذين فارقتهم بلا سبب. فالحكمة لا تبدأ عندما نجد الأجوبة، بل حين نملك الشجاعة لتحطيم الأصنام التي بنيناها داخل عقولنا."
«هؤلاء الغرباء الذين يقطنونني ليسوا مجرد أطياف، بل هم الوجوه التي خفتُّ يوماً من ارتدائها، والكلمات التي ابتلعتها خشية أن تخدش صورتي أمام العالم. هم "الأنا المضادة" التي تنمو في ظلال صمتي. في كل مرة قلتُ فيها "لا"، كان أحدهم يصرخ في صدى روحي بـ "نعم". هم مجموع الضحكات التي كتمتها، والتمرد الذي وأدته في مهد اليقين.
إنهم يسكنون مساماتي، يراقبونني من خلف ستار الوعي، ويذكرونني بأن كينونتي ليست جداراً مصمتاً، بل هي فضاء شاسع يتسع لكل ما نفيته عن نفسي. أنا لستُ واحداً؛ أنا زحام من المتناقضات، ولن أكتمل إلا حين أجرؤ على مصافحة هذا "الآخر" القابع في أعماقي.»
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
تعليقات
إرسال تعليق