رهان الصداقة/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.
رهان الصداقة
في ساحة كلية الحقوق بتونس، حيث تختلط أحلام الشباب بضجيج الممرات، ولدت صداقة إيناس وسالم. كانت إيناس ابنة عائلة دبلوماسية عريقة، تسكن في ضاحية "المرسى" حيث تعانق الفيلات زبد البحر. أما سالم، فكان ابناً لحيّ شعبي كادح، يسكن في زقاق ضيق تفوح منه رائحة البخور والخبز التقليدي، والده كان إسكافياً يقضي نهاره بين خيوط الجلد وإبر الخياطة.
لم يكن للمال مكان على مقعدهما الخشبي في الجامعة. كانا يتبادلان الملاحظات والكتب، ويحلمان معاً بعالم يسوده العدل. بالنسبة لسالم، كانت إيناس هي "العقل" الذي يفهمه؛ وبالنسبة لإيناس، كان سالم هو "الصدق" الذي تفتقده في صالونات عائلتها المتكلفة.
جاء يوم التخرج، ودعت إيناس سالماً إلى حفلة صغيرة في حديقة منزلها الشاسعة. هناك، ولأول مرة، شعر سالم بالهوة. كانت الحديقة مرتبة كلوحة زيتية، والضيوف يتحدثون لغةً هجينة بين العربية والفرنسية، لغةً تملؤها أسماء الماركات ووجهات السفر الصيفية.
عندما سأل والد إيناس سالماً بلباقة باردة: "وماذا يعمل والدك يا بني؟"
أجاب سالم بشموخ مجروح: "والدي يصلح الأحذية في نهج النحاسين".
ساد صمتٌ ثقيل. لم يكن صمتاً من الكراهية، بل كان صمت "الدهشة". في تلك اللحظة، أدرك سالم أن إيناس ليست مجرد صديقة، بل هي "قلعة" محصنة بأسوار من الذهب، وهو مجرد عابر سبيل أمام بوابتها.
مرت سنتان. حصلت إيناس بفضل علاقات عائلتها على منصب في مكتب محاماة دولي. أما سالم، فرغم كفاءته، ظل يتنقل من مكتب صغير لآخر، يصطدم في كل مرة بجدار "الوساطة" و"المظهر الاجتماعي".
حاولت إيناس مساعدته، عرضت عليه أن يتوسط له والدها في شركة كبرى. هنا انفجر الجرح:
— "إيناس، أنا صديقكِ ولستُ حالة إنسانية للشفقة!" صرخ سالم والألم يعتصر صوته.
— "لكنني أريد لك الأفضل، يا سالم! الصداقة فوق هذه الترهات الطبقية!" ردت إيناس والدموع في عينيها.
— "الصداقة جسر، يا إيناس.. لكن الجسر لا يستقيم إذا كانت إحدى الضفتين في السماء والأخرى في الوادي. نحن نرى العالم من زاويتين مختلفتين تماماً."
لم تنتهِ صداقتهما بخصام عنيف، بل انتهت بـ "التلاشي". تزوجت إيناس من زميل لها يشاركها نفس الرموز واللغة والرحلات. وأصبح سالم محامياً بسيطاً في حيه القديم، يدافع عن المظلومين الذين يشبهونه.
بعد سنوات، التقيا صدفة أمام المحكمة الكبرى. تبادلا ابتسامة باهتة، محملة بكل الكلمات التي لم تُقل. في تلك اللحظة، علما يقيناً أن الوسط الاجتماعي كان أقوى من إرادة الصداقة. لم يكره أحدهما الآخر، لكن الحياة اختارت لكل منهما "مداره" الخاص.
بعد سنوات من الزواج، لم تنجرف إيناس في تيار الرفاهية الفارغة. كانت روحها متمردة. هربت من منزلها و طلبت الطلاق.
قالت لسالم ذات يوم في مقهاهما القديم: "يا سالم، المجتمع يريدنا أن نكون خصوماً أو غرباء، لكننا سنكون شركاء. أنت تملك المعرفة بالشارع وهموم الناس، وأنا أملك المفاتيح القانونية والعلاقات. معاً، سنصنع شيئاً حقيقياً."
بدلاً من قبول الوظيفة المريحة في شركة عمها، فاجأت إيناس عائلتها بقرار صادم: افتتاح مكتب محاماة مستقل بالشركة مع سالم.
كان التحدي هائلاً. عائلة إيناس قطعت عنها الدعم المادي لتلقينها درساً في "الواقع"، وسالم كان يخشى أن يجرها إلى معاناته. لكنهما استأجرا مكتباً صغيراً في منطقة وسطى بين "المرسى" و"الحي الشعبي عين زغوان"، مكتباً لا يعترف بالألقاب.
— "هذا هو رهاننا يا سالم،" قالت إيناس وهي تضع أول ملف على الطاولة الخشبية البسيطة. "إما أن يبتلعنا المجتمع، أو نغير نحن قواعد اللعبة."
جاء الاختبار الأكبر عندما رفعت مجموعة من العمال الفقراء دعوى قضائية ضد شركة كبرى يملكها أحد أصدقاء والد إيناس. كان سالم يمثل هؤلاء العمال بقلبه، بينما كانت الضغوط تمارس على إيناس من كل جانب:
— "ابنتي، أنتِ تدمرين اسم العائلة! هذا الشاب سيجركِ إلى الهاوية،" قال لها والدها بغضب.
لكن إيناس لم تتراجع. وقفت في المحكمة جنباً إلى جنب مع سالم. كان هو يلقي المرافعات بقوة صوته المستمدة من معاناة والده الإسكافي، وهي تدعم الحجج بنصوص قانونية دقيقة وثغرات لم يلحظها كبار المحامين.
ربح المكتب القضية. لم يكن الربح مالياً فحسب، بل كان انتصاراً للمبدأ. في تلك اللحظة، وتحت أضواء قاعة المحكمة، أدرك الجميع أن "سالم الفقير" و"إيناس الغنية" قد انصهرا في كيان واحد اسمه "الحق".
لم يعد الوسط الاجتماعي قيداً، بل أصبح تنوعاً يغني تجربتهما. اعتذر والد إيناس ضمناً عندما رأى شجاعة ابنته واحترام الناس لسالم.
لم تعد الصداقة مجرد ذكرى جامعية، بل أصبحت "مؤسسة" قائمة بذاتها. أثبتت إيناس وسالم أن الوعي المشترك أقوى من الوراثة الاجتماعية. بقيا صديقين، وشريكين، ومنارة لكل من يعتقد أن "ابن الفقير" و"ابنة الغني" لا يمكن أن يسيرا في طريق واحد دون أن يسقط أحدهما.
تعليقات
إرسال تعليق