نَبْعُ الفَضِيلَةِ وَالحَقِّ/بقلم الكاتب/جمال فارس.
رواية.. نَبْعُ الفَضِيلَةِ وَالحَقِّ..
جُزْءُ (3)
...
بَعْد غِيَابْ جِهَاد عَلَى هَذِهِ الحَالَة أَدْرَكَتْ أُمُّ جِهَاد وَتَأَكَّدَتْ أَنَّ ابْنَهَا قَدْ صَارَ عَاشِقًا، وَصَارَ عِشْقُهُ بَحْرًا غَاضِبًا ثَائِرًا.
وَقَالَتْ لِعَزِيزَة أُمِّ سَلْمَى: عِنْدِي فِكْرَةٌ.
فَرَدَّتْ عَزِيزَةُ: وَمَا هِيَ فِكْرَتُكِ؟
قَالَتْ: نَذْهَبُ إِلَى السَّيِّدِ عَبْدِ الرَّحِيمِ المَحْجُوبِ، كَانَ عُضْوَ مَجْلِسِ الشَّعْبِ سَابِقًا، وَلَهُ عَلاقَاتٌ كَثِيرَةٌ مُهِمَّةٌ بِالمُحَافَظَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسَاعِدَنَا فِي مَوْضُوعِ سَفَر سَلْمَى. بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَّفِقَ مَعَهُ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ أَوْ يُرْشِدَنَا إِلَى طَرِيقَةٍ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ.
وَطَبْعًا عَزِيزَة حُسَيْن تَحْتَفِظُ بِدَاخِلِهَا بِنِصْفِ الحِكَايَةِ؛. تُرِيدُ لِسَلْمَى السَّفَرَ إِلَى أَهْلِهَا وَإِلَى حَيَاةٍ أَفْضَلَ، وَلَمْ تُخْبِرْ أُمَّ جِهَادٍ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا رَغْبَةٌ دَاخِلِيَّةٌ لِعَزِيزَةٍ .
وَاتَّفَقنًا أَنْ تَذْهَبَا مَعًا إِلَى السَّيِّدِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعَا عَلَى رَأْسَيْهِمَا غِطَاءً أَسْوَدَ يَسْتُرْنَ بِهِ رَأْسَيْهِمَا دُونَ أَعْيُنِ النَّاسِ.
وَقَالَا لِسَلْمَى: ظَلِّي مُسْتَيْقِظَةً حَتَّى يَأْتِيَ جِهَادٌ.
فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا: أَنْ نَعَمْ، سَأَظَلُّ مُسْتَيْقِظَةً، وَكَيْفَ يَأْتِينِي النَّوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
وَأَنْشَدَتْ سَلْمَى تَقُولُ : ـ
.. أَيُّ عَيْنٍ تُغْمِضُ المُقَلَ فِي هَذَا العُسْرِ إِلَّا عَيْنَ جَبَانَا.
...
فَقَلْبِي بَيْنَ يَدَيْ حَبِيبِي حُبًّا وَعِشْقًا وَاسْتِسْلَامَا.
.....
فَهَلْ يَا نَفْسُ سَيَهْدِمُونَ البِنَاءَ بَعْدَ مَا اشْتَدَّتْ أَرْكَانُهُ اسْتِعْصَامًا.
.....
وَاللهِ مَا كُنْتُ وَلَا كَانَ الزَّمَانُ مُنْصِفًا، فَلَا أَتْرُكُ الوَرْدَ ذَبْلَانَا..
....
وَلَا عَاشَتْ نَفْسِي، وَلَوْ مَلَكْتُ كُلَّ الدُّنَا، بِدُونِكَ لَا أَكُونُ
إِلَّا بِقَلْبٍ يَرُدُّ الإِحْسَانَ إِحْسَانًا.
....
وَنَعُودُ إِلَى بَهْوِ قَصْرِ السَّيِّدِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَالمَرْأَتَانِ تَجْلِسَانِ، وَالشَّكْوَى مِنْ جَوْرِ العَمِّ إِجْرَامًا، وَشَرَحَا لَهُ مَا كَانَ مِنْ عَمَّةِ الفَتَاةِ وَعَمِّهَا صَاحِبِ السُّلْطَةِ الَّذِي أَرَادَ انْتِزَاعَ سَلْمَى كَمَا يُنْزَعُ الظُّفْرُ مِنَ اللَّحْمِ ظُلمًا وعُدْوانًا
فَهُنَا انْتَفَضَ السَّيِّدُ عَبْدُ الرَّحِيمِ وَاقِفًا، وَقَالَ: مَا هَكَذَا كَانَ الشَّرْعُ، وَلَا صِلَةُ الرَّحِمِ، وَلَا حَتَّى العُرْفُ، وَإِنْ شَاءَ اللهُ غَدًا سَأَذْهَبُ لِلْعُمْدَةِ وَأَفْهَمُ مِنْهُ لِمَاذَا هَذِهِ الطَّرِيقَةُ وَهَذِهِ العَجَلَةُ دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ ..
. وَنَعُودُ إِلَى صَاحِبِ الصَّدْمَةِ وَرَدَّةِ فِعْلِهِ العَكْسِيَّةِ، جِهَادِ حَيْدَرَ، الَّذِي اخْتَفَى مُتَرَجِّلًا بِقَدَمَيْهِ، مَاشِيًا حَتَّى صَارَ في مَكَانِ لِقَائِهِ بِسَلْمَى، وَظَلَّ يَمْشِي أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ كِيلُو مِتْرَاتٍ مِنَ القَرْيَةِ حَتَّى مَدِينَةِ رَشِيدٍ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَكِي لِلشَّجَرِ وَالحَجَرِ وَالبَحْرِ وَالقَمَرِ وَالنُّجُومِ فِيمَا تَعَرَّضَتْ لَهُ نَفْسُهُ مِنْ صَدْمَةٍ صَفَعَتْهُ صَفْعَةً قَوِيَّةً أَفْقَدَتْهُ وَعْيَهُ واتْزَانْهُ وَنَسِيَ كُلَّ شَيْءٍ: أُمَّهُ، وَعَزِيزَةَ حُسَيْنٍ، وَكُلَّ العَالَمِ، وَبَقِيَتْ سَلْمَى هِيَ المَأْوَى وَالعُنْوَانَ وَخُلَاصَةَ البَيَانِ.
. وَحُلْمٌ وَبُنْيَانٌ عَظِيمٌ ، شَيَّدَهُ كَلِمَةً كَلِمَةً وَطُوبَةً طُوبَةً، وَنَظْرَةً فِي هَمْسَةٍ، وَضَحْكَةً فِي ابْتِسَامَةٍ، وَتَعْلِيمَهُ لَهَا وَشَرْحَ العِلْمِ سِنِينَ طَوِيلَةً.
حَتَّى إِنَّهُ ظَنَّ مَا بَقِيَ إِلَّا فَرْشُ البَيْتِ ثُمَّ يَسْكُنُهُ، وَفَجْأَةً جَاءَ الهَدْمُ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ الزَّمَانِ، فَكَانَتِ السَّكْرَةُ.
.. وَبَعْدَ أَنْ اسْتَجْمَعَ نَفْسَهُ وَاسْتَدْرَكَ الأَمْرَ،، فَقَرَّرَ العَوْدَةَ.
وَمَا إِنْ حَضَرَتِ المَرْأَتَانِ، أُمُّ جِهَادٍ وَعَزِيزَة وَجَدَنَا سَلْمَى تَبْكِي وَتَهْذِي بِكَلِمَاتٍ غَيْرِ مَفْهُومَةٍ، فَجَلَسَتَا إِلَى جِوَارِهَا؛ أُمُّهَا إِلَى يَمِينِهَا، وَأُمُّ جِهَادٍ يَسَارًا، وَهَدَّئَتَاهَا وَوَعَدَتَاهَا بِحَلِّ المُشْكِلَةِ.
وَلَمَّا كَانَ الجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ، إِذْ بِطَارِقٍ يَطْرُقُ البَابَ، فَظَنُّوا أَنَّهُ جِهَادٌ، فَأَسْرَعَتْ سَلْمَى نَحْوَ البَابِ.
وَإِذْ بِالبَابِ شَخْصٌٖ آخَر ! سَامِر الطُّوبِي، أَخُو عَمْرُو الطُّوبِي، صَدِيقُ جِهَادٍ الوَحِيدِ، جَاءَ لِيُطْمَئِنَهُمْ عَلَى جِهَادٍ وَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ بِالبَيْتِ..
فَنَظَرَتْ أُمُّ جِهَادٍ لِلسَّاعَةِ، فَعَلِمَتْ أَنَّ الوَقْتَ مَا زَالَ مُبَكِّرًا.
ثُمَّ نَادَتْهُ: يَا سَامِرُ، قُلْ لَِجِهَاد لَا يَتَأَخَّرْ، فَأُمُّكَ تُرِيدُكَ.
فَقَالَ سَامِرٌ: (حَاضِرٌ ) يَا خَالَتِي، سَأُبَلِّغُهُ.،
فَلَمَّا زَارَ جِهَادٌ صَدِيقَهُ عَمْرُو الطُّوبِي، فَأَخْبَرَهُ بِمَا حَدَثَ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ نَصِيحَتَهُ أَوْ رَأْيَهُ، وَدَارَ حَدِيثٌ مُطَوَّلٌ، فِي نِهَايَتِهِ قَالَ لَهُ عَمْرُو:
قُمْ بِنَا نَذْهَبْ إِلَى الأُسْتَاذِ حَسَّانِ السَّعِيدِ، مُدِيرِ مَكْتَبَةِ رَشِيدٍ.
فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ، وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي أَنَّهُمْ جَاءُوا فِي أَمْرٍ هَامٍّ.
فَخَرَجَ لَهُمْ، وَصَارُوا ثَلَاثَتَهُمْ يَمْشُونَ عَلَى نَفْسِ التُّرْعَةِ الصَّغِيرَةِ فِي اتِّجَاهِ بَيْتِ جِهَادٍ، حَيّثُ كَان القَمَرُ بَدْرًا والسَمَاءَ صافيةٔ واللَيِلُ سُكُوُنْ ، وَقَصَّ جِهَادٌ لِلأُسْتَاذِ مَا كَانَ مِنْ عَمَّةِ وَعَمِّ سَلْمَى.
فَسََكَتَ الرَّجُلُ قَلِيلَاً، وَقَالَ: سَأَطْلُبُ مِنْكَ شَيْئًا وَتُنَفِّذُهُ.
قَالَ جِهَادٌ: إِنْ شَاءَ اللهُ. فَقَالَ
عَلَيْكَ أَنْ تَتَمَهَّلَ وَتَتَرَيَّثَ؛ لِأَنَّهُ فِي الغَالِبِ حَتَّى إِذَا ذَهَبَتْ سَلْمَى قَسْرًا فَسَتَعُودُ لِرُؤْيَةِ أُمها
..
فَقَالَ جِهَادٌ:
نَعَمْ، وَسَوْفَ تَعُودُ لِتَكْمِلَةِ الْفَصْلِ الدِّرَاسِيِّ وَالِامْتِحَانَاتِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ:
إِذًا عَلَيْنَا بِالصَّبْرِ، وَعَلَيْكَمْ جميعا أَنْ تَتَحَمَّلُوا الْفِرَاقَ وعَليك أنْتََ أنْ تَكُونَ رَجُلًا. وتُطَمْئِنْ الجَمِيعْ، لَكِنَّ الْوُقُوفَ الآنَ فِي وَجْهِ الْعَاصِفَةِ سَيَهْدِمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَعِنْدَمَا تَذْهَبُ الْفَتَاةُ لِأَهْلِ أَبِيهَا سَيَنْطَفِئُ غَضَبُهُمْ وَغَضَبُ الْعَمِّ السُّلْطَوِيِّ، وَنَكُونُ بِذَلِكَ كَسَبْنَا أَوَّلَ جَوْلَةٍ.
فَعَلَيْكَ الآنَ الْعَوْدَةُ إِلَى الْبَيْتِ، وَتَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ وَتُرْشِدُهُمْ إِلَى الصَّوَابِ.
وَعِنْدَ نِهَايَةِ الْحَدِيثِ كَانَ الْجَمِيعُ قَدْ وَصَلُوا أَمَامَ بَيْتِ جِهَادِ حَيْدَرٍ، فَسَلَّمُا عَلَيْهِ وَهَمّا بِالْعَوْدهَ
وَهُنَا كَانَ عَمْرُو الطُّوبِي مُوَفَّقًا جِدًّا فِي اخْتِيَارِهِ لِهَذَا الرَّجُلِ الْمُثَقَّفِ، كَثِيرِ الِاطِّلَاعِ، صَاحِبِ الْخِبْرَةِ.
وَ اتَّجَهَ جِهَادٌ، بَعْدَ وَدَاعِهِ لِصَدِيقِهِ وَالْأُسْتَاذِ حَسَّانٍ، إِلَى بَابِ الْبَيْتِ وَطَرَقَ الْبَابَ، فَفَتَحَتْ لَهُ أُمُّهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا وَقَبَّلَ يَدَيْهَا وَاعْتَذَرَ عَنِ التَّأْخِيرِ.
وَوَجَدَ الْجَمِيعَ فِي انْتِظَارِهِ.
وَطَبْعًا سَأَلَتْهُ سَلْمَى:
أَيْنَ كُنْتَ؟
فَقَالَ:
كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ حَلٍّ لِمُشْكِلَةِ سَفَرِكِ.
فَقَالَتْ:
وَهَلْ وَجَدْتَ؟
قَالَ:
نَعَمْ، اسْمَعُونِي جَيِّدًا حَتَّى أَنْتِ يَا سَلْمَى.
أَوَّلًا: سَنُجَهِّزُ أَنْفُسَنَا وَنَسْتَعِدُّ عَلَى أَسَاسِ أَنَّنَا نُوَافِقُ عَلَى سَفَرِ سُلْمَى، وَلَكِنْ سَتَذْهَبُ خَالَتِي عَزِيزَةُ مَعَهَا إِلَى الْمَكَانِ وَتَعْرِفُهُ.
وَنَعْتَبِرُ أَنَّ سَلْمَى فِي زِيَارَةٍ لِأَهْلِهَا، يَفْرَحُوا بِهَا لِفَتَرَه فَيَنْطَفِئُ غَضَبُهُمْ وَتَهْدَأُ الْأُمُورُ، ثُمَّ تَعُودُ سَلْمَى بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَكَذَا. لا نَفْقِدُهَا
فَرَفَضَتْ سَلْمَى، وَثَارَتْ ثَوْرَةٌ عَارِمَةٌ، وَبَكَتْ بِصَوْتٍ فِيهِ نَحِيبٌ، وَتَرَكَتْهُمْ وَدَخَلَتْ غُرْفَتَهَا وَأَغْلَقَتِ الْبَابَ..؟!
...،،...
بِقَلَمِ / جَمَالِ فَارِس
تعليقات
إرسال تعليق