أصوات مطيعة/بقلم الكاتب/أواب الطاهر محمد.
أصوات مطيعة وصوتي المستقل..
في البدء لم يكن هناك صدى بل كان هناك جدار صلد من الرنين المتجانس حيث نولد جميعاً في حُجرة مَطليّة بالترديد وتولد الأذن قبل اللسان لنسكب في جوفنا منذ الشهقة الأولى لغة جاهزة مقاسة بمقاييس هندسية صارمة يسلموننا أبجدية مستعملة أصابها الهزال من كثرة ما تداولتها الأفواه ويطلبون منا أن ننزف بها مشاعرنا البكر دون أن نسأل كيف لقصيدة أن تكون حرة وهي ترتدي ثياباً خاطها الموتى كنت واقفاً في ساحة الوجود محاطاً بالأصوات المطيعة التي لم تكن أصواتاً شريرة بل كانت مرعبة بجمالها الرتيب ونبرتها المطمئنة كأصوات العُرف والتاريخ والجمع الكثيف الذي يطحن القلق ليصنع منه يقيناً زائفاً لدرجة أنها كانت تتكلم من خلالي لا معي فإذا غضبتُ وجدتُ في حنجرتي غضب القبيلة وإذا فرحتُ وجدتُ على شفتي ضحكة السلف حتى غدوتُ مجرد ممر آمن لقطار الحكمة القديمة وكان وجودي ضميراً مستتراً تقديره هم لأن الامتثال مريح يلغي وحشة الطريق ويمنحك وطناً من كلمات محاطاً بأسلاك شائكة من الممنوعات الفكرية حيث يصبح الصمت ذكاءً وتصبح الطاعة نضجاً في ذلك القطيع الصوتي الذي يقتل الدهشة بالتكرار ثم حدث الشق الصغير في الجدار ولم يكن هتافاً ولا ثورة عارمة بل كان قلقاً يشبه ارتعاشة الماء قبل الغليان حين تساءلتُ لو نزعتُ من نفسي كل ما لقنوني إياه هل سيبقى مني شيء ومن هذا السؤال الوعر بدأت ولادة صوتي المستقل الذي لا يبدأ بالكلام بل يبدأ بالتطهير وكان عليّ أن أتقيأ كل العبارات الفخمة التي حفظتها وأفرغ ذاكرتي من صدى الخطباء لأولد من الصمت المطلق والعراء الكامل حيث لا توجد لغة تسندني فأضطر أن أخترع نبرتي الخاصة من طين تجربتي الفردية ومن المأزق ذاته الكامن في استخدام الحروف نفسها التي صاغوا بها قيودي صوتي المستقل ليس نقيضاً للأصوات الأخرى بل هو نقطة انقطاعها وتجاوزها الحذر فهو تلك النبرة التي تخرج مشروخة بخدوش الألم الشخصي لا مصقولة بمبرد المنطق العام وعندما أتحدث الآن لا أبحث عن إعجاب السامعين بل أبحث عن ملامسة القاع الحقيقي لذاتي في صوت يبدو غريباً حتى على أذني لأنه طازج كالدم الذي يتدفق من جرح جديد فبينما تقول الأصوات المطيعة هكذا وجدنا العالم يقول صوتي المستقل وهكذا سأهدمه لأعيد بناء دهشتي من خلال نقصان التجربة البشرية الخالصة وهشاشتها لا من خلال كمال الصيغ الجاهزة إن هذا الصوت الضعيف المرتجف الذي يتردد ويخطئ ويتلعثم يعلن في كل تعثر عن ألوهية الروح وسرّ تميزها ليكون تدفقاً لاهثاً كالنهر الذي يشق مجراه في صخرة صماء دون أن يكون كلاماً مرصوفاً كالحجارة في جدار فأنا الآن لا أتكلم لأقنع أحداً بل أتكلم لكي أنفصل عن المجموع وألتحق بالوجود.
تعليقات
إرسال تعليق