وثيقة هيبة الحطام/بقلم الكاتب/أواب الطاهر محمد.

وثيقة هيبة الحطام
بيان في فلسفة العثرة والوجود

ثمة لحظة فارقة في عمر السعي يرتطم فيها المرء بقاع نفسه بذهول مرير فيكتشف أن كل ما بناه من وقار ورصانة طوال سنينه لم يكن سوى جدار هش أمام إعصار عثرة مباغتة لم تخطر له على بال. إنني لا أتحدث هنا عن سقطة عابرة تدمي الركبتين ويداويها الوقت بل أتحدث عن ذلك الانخساف الروحي العنيف الذي يخلع الروح من طمأنينتها ويتركك غريباً حتى عن ملامح وجهِك في المرآة تتساءل بمرارة تنهش اليقين أهذا أنا؟ أهذه هي القلعة التي ظننتها يوماً عصية على القهر؟ كيف لهيبة الثبات أن تتبخر في ارتطام واحد بصخرة الواقع؟
لقد سئمت لغة المواساة الباردة التي يحترفها البعيدون فالعثرة التي تكسر كبرياء الروح هي في حقيقتها خيانة يرتكبها الطريق في حق المسافر الصادق وجرح لا يندمل بتكرار الشعارات الجوفاء. وأنا اليوم، لا أقف فوق منصة الوعظ لأوزع الحكم بل أقف لأعترف بـ هيبة حطامي فللحطام وقار خفي لا يدرك كنهه أولئك المستورون تحت مظلات السلامة الكاذبة وللانكسار صدق موجع يفتقر إليه الواقفون بزهو زائد فوق قمم أوهامهم. إن رصانتي الحقيقية التي أعجنها اليوم بدم أعصابي لم تعد في استقامة خطاي أو ثبات قامتي بل في تلك الشجاعة المتوحشة وأنا أنظر إلى شظايا نفسي المبعثرة تحت أقدام القدر دون أن أُشيح بوجهي خجلاً ودون أن أتقمص دوراً لا يمثلني أو أدعي تماسكاً لم يعد له وجود.
أنا أواب وأعلن أمام الملأ أنني اليوم حصيلة خيبات لم أخترها ولكنني أصقل بها حدود روحي الجديدة روح لا تبحث عن الكمال بل تبحث عن الحقيقة ولو كانت مغمسةً بالرماد. إن القارئ الذي يطلب مني نصاً منمقاً أو تفاؤلاً مستعاراً إنما يطلب مني كذبةً تليق بضعفه أما أنا فقد اخترت أن أكتب من منطقة ما بعد الانهيار حيث لا مصلحة لي في التجمّل وحيث تصبح الندوب هي النياشين الوحيدة التي تثبت أنني خضت معركة الوجود بصدق جارح. هذا الوجع المقيم الذي ينهش في سكون ليلي هو الذي يمنح لكلماتي ثقلها الجوهري وهو الذي يجبر كل مَن يمر بهذه السطور على أن يصمت احتراماً ليس لمهارة قلمي بل لإنسانٍ قرر بكل كبريائه أن يحول انكساره إلى مدرسة للوعي وأن يبني من ركام حطامه معبداً للصمود الصامت الذي لا تكسره الريح مرةً أخرى.
فليذهب اليقين البارد الذي لا طعم له إلى الجحيم ولتبق لي هذه الخيبة الرصينة فهي المعلم الأخير والقاسي الذي أخبرني أن أقدس أنواع النهوض ليس ذلك الذي يأتي برعونة المنتصرين بل هو الذي يبدأُ واثقاً ومؤمناً من قلب الحطام مدركاً أن الإنسان لا يكتمل إلا حين يتقبل كُسوره كجزء من هيبته الشخصية وكبرهان أوحد على أنه عاش حقيقته كاملة دون تزييف.
وفي صمت هذا الانكسار أقف أخيراً وجهاً لوجه مع حقيقتي التي لم تكن يوماً في استقامة الطريق بل في القدرة على اعتراف شجاعٍ بأنني إنسان يملك حق التحطم وحق النهوض. لست مدفوعاً بزهو الشعراء ولا ببرود الفلاسفة بل بصدق رجل رأى خيبته فلم يرمش له جفن. فليقرأْ من يشاء في حطامي ما يشاء أما أنا، فقد وسمت وجعي بهذا النص وجعلت من عثرتي هويتي الأخيرة.

حرر هذا النص بمداد التجربة وصدق الذات.. {أرسمُ وجه الحقيقة بمداد الظن صائغ مرايا تعكسُ ما لا يراهُ العابرون 🙏 ✍️} 
أواب_الطاهر_محمد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.