مفاتيحُ الدهشةِ الأخيرة/بقلم الشاعر/عاشور مرواني.

مفاتيحُ الدهشةِ الأخيرة

في فمِ الطفلِ سؤالٌ أزليّْ

لم تلدْهُ الشفاهُ بعدُ...

ولكنهْ

حين يمشي على حبالِ الندى

يصبحُ الكونُ أرجوحةْ

هكذا يبدأ الأمرْ:

يمسكُ الطفلُ بطرفِ الخيطِ

الخيطُ ليس خيطاً

بل امتدادَ سرَّتِهِ إلى أولِ المعنى

قبل أن يُسمّى الشيءُ شيئاً

قبل أن تُغلقَ الأسماءُ أبوابَ الحديقةْ

هو لم يخرجْ من الجنّةِ طوعاً

بل طُرِدَ في الثانيةِ السابعةْ

من عمرِهِ الأوّلِ،

حين تعلّمَ أن الزرقةَ اسمُها "أزرقْ"

وأن النملةَ لا تحملُ رسائلَ سرّيّةً

وأن لا أحدَ يسكنُ القمرْ

منذ تلك اللحظةِ

والطفلُ الواقفُ على حافّةِ عمرِهِ

يمدُّ يداً لا تُرى

ليسترجعَ مفتاحَ الدهشةِ الأوّلْ

أما الكبارُ فقد حفظوا الأسماءَ عن ظهرِ غيبٍ

فظهرُ الغيبِ انكسرْ

وماتَ المعنى الذي كان يسكنُ بين الحروفْ

وعلّقوا مفاتيحَهم فوقَ رؤوسِهم

يظنّونها زينةْ

وحدهُ الطفلُ يعرفُ

أن المفتاحَ في بطنِ الحوتِ

والحوتَ في بطنِ النومِ

والنومَ في بطنِ سؤالٍ

لم يُطرحْ بعدُ...

اصغِ جيداً:

حين ترى طفلاً يضحكُ وحدهُ

فاعلمْ أنه يُجرّبُ مفتاحاً

وحين تراهُ يبكي بلا سببٍ ظاهرْ

فاعلمْ أن باباً ما رفضَ أن يُفتحْ

الأطفالُ لا يلعبونَ

بل يمارسونَ طقوسَ فتحِ الأبوابْ

بالحصى، بالخرزِ، بالأزرارْ

بالقبّعاتِ المقلوبةِ

بالظلالِ الممدودةِ حينَ يميلُ النهارْ

بالسؤالِ الذي يسألُ السؤالَ:

"هل تحبّني السماءُ لأني صغيرْ؟"

أيها الواقفونَ في محطّاتِ الانتظارِ الطويلةْ

لا تسألوا الأطفالَ عن أحلامِهم

فهُم لا يحلمونْ

بل يتذكّرونْ

قطعةً قطعةْ

شكلَ العالمِ قبلَ اختراعِ الكلامْ

هذا هو السرّ:

نحنُ لا نعلّمُ الأطفالَ المشيَ

بل نُعلّمُهم السقوطَ على دفعتينْ

ونحنُ لا نعلّمُهم الكلامَ

بل نُعلّمُهم كيف يصمتونْ

عن كلِّ ما كانوا يعرفونهْ

قبلَ أن يُولدوا

لهذا،

في آخرِ النهارْ

حين تُطفأُ المصابيحُ واحدةً واحدةْ

وحين يُدسُّ الأطفالُ في أغطيةِ النسيانِ المؤقّتْ

يظلُّ في يدِ كلِّ طفلٍ مفتاحْ

لا يلمعُ، لا يُرى، لا يُسرَقْ

فتّشْ في جيبِ طفولتِكَ القديمْ

ستجدهُ هناكْ

بارداً، صغيراً، صامتاً

مثلَ نواةْ...

ذلكَ هو مفتاحُ الدهشةِ الأخيرْ

لم يُسحبْ من أحدٍ بعدْ

لكنّ الأطفالَ وحدَهمْ

من يحفظونَ مكانَهُ

حتى يعودوا

عاشور مرواني
في اليوم العالميّ للطفولة،
1 يونيو 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.