رواية: نبع الفضيلة والحق/بقلم الكاتب/جمال فارس.

رواية: نبع الفضيلة والحق
جزء (5)
.....
بعد أن استأذن عبد الرحيم المحجوب متوجهًا إلى قصره، تحدث جهاد حيدر مع عزيزة حسين، والدة سلمى:
ـ هل هناك شيءٌ ما تُخفينه عنا يا   ( خالتي ).؟
فقالت:
ـ لا، أيَّ شيءٍ تقصد؟
فقال لها:
ـ لماذا إذًا يطلبك السيد عبد الرحيم المحجوب إلى قصره وبمفردك؟
فأجابته:
ـ لا أدري، غدًا سنعرف.
ونادت أم جهاد على سلمى:
ـ  سلمى أرجو أن  تقتربي مني وتجلسي بجواري  فلبت مسرعة .
وضمتها أم جهاد إلى صدرها، ومسحت على رأسها، ووضعت كفيها تحيطان بخديّ  سلمى، ونظرت في عينيها وقالت لها:
ـ أنتِ بنيتي الغالية، مثل جهاد بالضبط، وإن شاء الله السيد عبد الرحيم لن يترك الموضوع إلا ويضع له حلًّا، ثقي من ذلك.
ورد جهاد:
ـ أليس لي من هذا الحنان نصيب يا ست أم جهاد؟
فتبسمت وقالت:
ـ سلمى أولًا، وأنت بعد ذلك.
فقال مازحًا:
ـ يا حظك يا سلمى، لكل إنسان أم واحدة، وأنتِ لكِ أمّان.
.....
ونذهب إلى سيادة الضابط الكبير محمد البديوي، هو وأخته الطبيبة إيناس البديوي، في استراحته الخاصة بحي المنتزة بالإسكندرية على البحر.
إذ قالت له السيدة إيناس:
ـ يمكن أن تخبرني كيف سمحت لمجموعة من الفلاحين، لا وزن لهم أمام جاهك ونفوذك وقوتك، أن ينتصروا علينا ويمنعوا  حضور بنت أخيك إلى عمتها؟
يا محمد باشا، "دي الحاجة الحلوة الباقية من ريحة أخونا أحمد، رحمة الله عليه"
كيف يحدث هذا يا  سيادة المسؤول الكبير؟
وكان هذا الرجل، بحكم عمله، يستمع وينصت جيدًا، ويفكر في كل شيء قبل أن يصدر حكمه.
فقال لها:
ـ البنت حدثت لها صدمة نفسية من وجود رجالي الذين أرسلتهم  لإحضارها، وكان هناك إنسان محترم، عضو مجلس شعب ومن وجهاء وأعيان القرية، وعدني أنه سيعالج الأمر بحكمة، ويلزمه بعض الوقت.
فقالت له:
ـ كيف نتركها هناك في هذا المكان البدائي وهي عندها صدمة نفسية يا محمد باشا؟  من سنين وأنا أنتظر هذه اللحظة، وبعد سبعة عشر عامًا علمنا  أخيرًا أين مكانها. أرجوك  لا تخذلني.
فقال بحزم:
ـ اهدئي، وإن شاء الله سأجعلك تطمئنين عليها وهي هناك.
ـ كيف يا سيادة الباشا؟ وهذا المكان ليس به تليفونات، وليس به أي وسيلة اتصال، كيف سأطمئن على سلمى بنت أخي؟ قل لي كيف؟
فأجاب بكلامٍ قاطع:
ـ اهدئي يا إيناس. إن شاء الله سأتحدث مع السيد عبد الرحيم. بعد أن تهدأ وتستقر نفسية البنت، سأقول له يأخذها عنده في بيته، وتتحدث إليك في الهاتف، ثم بعد ذلك، كما وعدني السيد عبد الرحيم المحجوب، أنه سيزورني ويأتي بها، فلا تقلقي
السلام عليكم.
وانصرف من أمام أخته وهو غاضب، وطلب من مساعديه في مكتبه إحضار رقم هاتف السيد عبد الرحيم، وتحريات كاملة عن كل من له صلة ببنت أخيه سلمى.
ولأنه ضابط كبير أيضًا، عنده ضبط نفس وثبات إنفعالي كبير ، ولا يتصرف بعاطفته.
.....
نذهب معًا إلى عائلة جهاد حيدر.
وبعد العشاء، جاء أناس كثيرون يطمئنون على جهاد وأمه، بعد ما علمت القرية بأكملها ما حدث ظهر هذا اليوم.
ومنهم من اعتذر لأنه كان غير موجود، ومنهم من عرض تقديم المساعدة، إما بأنفسهم أو بالمال.
وهكذا كانوا يأتون تباعًا، مجموعة تسبق مجموعة.
وهكذا حال أهل هذه البلاد في هذا الزمان، يؤازرون بعضهم بعضًا، ويلتحمون ببعض عند الشدائد.
وحضر أيضًا صديق جهاد، عمرو الطوبي وأخوه، والأستاذ حسان السعيد، مدير مكتبة رشيد.
ونذكر هنا ملمحًا تاريخيًّا نضاليًّا وبطوليًّا سجله التاريخ يوم 21 مارس سنة 1807، محاولة فريزر القائد الإنجليزي، إبان الحملة الإنجليزية على مصر، دخول مدينة رشيد، فواجه استبسالًا ومقاومة شديدة وشرسة، وألحقوا   به هزيمة ساحقة  ولم يسمحوا له بدخول المدينة أبدا .
هم أهالي رشيد وأهل هذه البلاد، وهم من نتحدث عنهم اليوم.
وروايتنا تسجل اليوم تاريخ 20 ديسمبر سنة 1989، حيث الأحداث الحالية التي تجذبنا لمتابعتها.
نعود لآخر الحضور، وهم صديق جهاد عمرو، وأخوه سامر، والأستاذ حسان.
وجلس معهم جهاد فيما يسمى بغرفة الضيوف، التي في الغالب يكون بابها من الخارج حتى لا ينكشف أهل البيت أمام الضيوف.
وسألوا جهاد:
ـ ماذا حدث؟
فشرح لهم كل ما شاهده ظهر هذا اليوم.
فأجابه الأستاذ حسان:
ـ إذًا عليك أن تنسق مع السيد عبد الرحيم، وأم سلمى، وسلمى، وتخرجون بشيء يكون فيه الصالح لسلمى.
فقال جهاد:
ـ إن شاء الله، هذا ما أفكر به.
ويمضي هذا اليوم بنهاره المبهر، وليلته التي كانت مليئة بالتلاحم والتكاتف والتكافل والألفة والمحبة، لأسرة جهاد حيدر وسلمى.
.....
وعند الصباح ذهبت  السيدة عزيزة حسين إلى السيد عبد الرحيم، حسب طلبه منها  وهي في الطريق كانت تؤخر قدمًا وتقدم الأخرى، حتى وصلت إلى بوابة القصر.
فوجدت من ينتظرها بالباب ويأخذها إلى مكان الصالون الذي يجلس فيه السيد عبد الرحيم المحجوب.
وألقت عليه السلام، فرد التحية:
ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وطلب لها القهوة، فرفضت.
وسألها:
ـ تشربين قهوة أم لا.؟
قالت:
ـ نعم.
قال:
ـ إذًا ستشربين قهوة.
وبعد دقائق معدودة حضرت القهوة التركي.
ثم انتظرها أن ترتشف منها ما شاءت، ثم وجه إليها سؤالًا:
ـ يا أخت  عزيزة، عندما أتيتِ إليَّ وقصصتِ عليَّ حكايتك، هل أنا قصرت معك في شيء؟
قالت:
ـ لا، حاشا لله، أنت أيضًا ما زلت تساعدني.
قال:
ـ دعك من هذا، ذاك مال الله. هل أم جهاد قصرت معك في شيء؟
قالت:
ـ والله أكثر من أختي، وهي إنسانة طيبة ورائعة.
قال:
ـ إذًا ماذا تخفين عنا؟
قالت:
ـ ما أخفي شيئًا يا سيدي.
قال:
ـ يا بنيتي، أنا رجل كبير، وخبرتي تقول إنك تخفين شيئًا، فلا بد لك أن تشاركيني فيه، لأن الأمر أصبح الآن في معية الله سبحانه وتعالى، ثم بيدي، وأنت تعرفين أني أخذت مهلة من عم سلمى تلك الفتاة البريئة. كيف حالها الآن؟
قالت:
ـ هي بخير، والآن نائمة.
قال:
ـ سلمها الله. إذًا عليك أن تتحدثي.
فقالت:
ـ يا سيدي، إن زوجي كان من هذه العائلة الكبيرة، وهذه العائلة رفضت زواجي من ابنهم المهندس أحمد البديوي. وأنا كنت وحيدة أبي، وماتت أمي قبل أبي، ثم بعد أن تزوجت أحمد توفي أبي، ثم بعده بعام توفي زوجي.
وجاء أهل أبي يشاركونني في الشقة، فتركتها لهم، وساقني القدر إليك.
أكرمتني، ووضعتني في بيت طيب، وعشت معهم حياة طيبة على مدار سنوات مضت.
لكن، والله، أنا أريد لابنتي حياة مختلفة عن حياتي 
. ففكرت أن أرسل لعمتها أن تأخذنا أنا وسلمى عندها، فأخبرت أخاها، وفعلوا ما فعلوا، وما رأيته أنت يعنيك.
والله شهيد، ليس عندي إلا ذلك.
كنت أريد أن يتم الأمر في سهولة ويُسر، لكن إرادة الله اختارت
 غير ذلك، والآن لا أستطيع أن أخبر أمَّ جهاد بما فعلته، والحمد لله أن  أرسلك  الله إلينا مرةً أخرى.
أنا لن أفعل شيئًا إلا بمشورتك بعد الآن.
فقال لها: — هذا كل شيء؟
قالت: — نعم. كل ما أرجوه منك يا سيدي أن نقنع سلمى أن تذهب إلى أهلها، وتعيش معهم حياةً جميلةً تليق بها مع أسرة أبيها.
فأجابها السيد عبد الرحيم: — الله المستعان، إن شاء الله خير.
وفي نفس هذا الصباح، يذهب جهاد حيدر إلى كليته بالإسكندرية دون أن يخبر سلمى، وعندما وصل إلى محطة الباص، التف حوله زملاؤه في الدراسة، وسلَّموا عليه، وحيَّوه تحيةً خاصة، وشدّوا على يديه، ودعموه، وهذا كان مشهدًا آخر يدعم جهاد حيدر، ويشدّ من أزره، ويقف على أرضٍ صلبة..
ويصل إلى المحاضرة في ميعاده في هندسة الإسكندرية، وقبل انتهاء المحاضرة بدقائق، أتى موظف من إدارة الكلية، واستأذن المحاضر، وسأل:
— هل موجود جهاد حيدر؟
فقال: — نعم.
فأشار إليه أن يأتي، وهمس في أذنه: — العميد يرغب في مقابلتك.
فأومأ برأسه: — نعم، سألبِّي رغبته.
وهناك ألقى التحية على عميد الكلية، وقال له: — أنا جهاد حيدر.
فسلَّم عليه العميد، وأشار بيديه: — الأستاذ حداد في انتظارك.
فسلَّم عليه جهاد، وسأله: — هل تعرفني؟
قال له: — أنت جهاد حيدر.
قال: — نعم.
فأخبره أنه هنا بأمر من السيد محمد البيدوي، وقال له: — الباشا في انتظارك.
فسأله عن سبب الاستدعاء، فقال: — أنا فقط مكلف باصطحابك إلى مكتبه.
ردَّ جهاد بشجاعة، وقال: — وأنا أريد التعرّف عليه.
هيا بنا...
...،،...
بقلم / جمال فارس
«««««««

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.