سِفْرُ المِرآة/بقلم الشاعر/عاشور مرواني.
سِفْرُ المِرآة
من أسفار الرؤيا
المرآة ليست سطحًا يعكس الشيء…
بل كائنٌ يقرّر أيّ الوجوه تستحق أن تُرى.
لم يكن للوجوه معنى قبل أن تُختبر.
كانت موجودة، لكن بلا حكم.
بلا مقارنة.
بلا سؤال عمّا إذا كانت تشبه نفسها.
ثم وُضعت المرآة في العالم.
ولم تكن حدثًا بصريًا.
بل حدثًا في بنية الإدراك.
في اللحظة الأولى التي نظرت فيها الأشياء إلى نفسها…
لم تتعرف على ما تراه.
لأن ما ظهر لم يكن "الشيء".
بل احتمال الشيء إذا أُجبر على أن يكون واحدًا فقط.
المرآة لا تعكس.
المرآة تختار.
تُثبّت وجهًا من بين وجوهٍ كثيرة كانت موجودة في الشيء قبل أن يُطلب منه أن يكون واحدًا.
ومنذ ذلك الوقت…
لم يعد الكائن بسيطًا.
صار داخله ازدحامٌ من النسخ، كل نسخة تحاول أن تكون هي الأصل.
ولم يكن الوجه هو المشكلة.
بل اللحظة التي بدأ فيها الوجه يشكّ أنه ليس الوحيد.
وفي البداية…
كانت المرايا هادئة.
لكن مع الوقت…
بدأت ترى ما لا يُرى.
لا لأنها تغيّرت.
بل لأن الأشياء نفسها بدأت تفقد ثقتها في شكلها الوحيد.
سأل الإنسانُ مرآته:
من أكون؟
فلم تُجبه.
لكنها لم تُظهره كما هو أيضًا.
أظهرت شيئًا قريبًا منه… لكنه متأخرٌ عنه بخطوة.
كأن المرآة لا تلاحق الحضور، بل تلاحق ما ينجو منه.
ومنذ تلك اللحظة…
لم يعد الإنسان يعرف متى يكون هو نفسه: هل حين يُرى؟ أم حين لا يُرى؟
وفي أماكن أخرى من العالم…
كانت المرايا تتكاثر.
لكن ليس كأدوات.
بل كـ طرقٍ مختلفة ليُعاد اختبار الوجود.
كل مرآة تقترح احتمالًا جديدًا للشيء، ولا تتفق مع الأخرى.
ولهذا…
بدأت الأشياء تتشظّى بين ما تراه المرايا، لا بين ما تراه العيون.
لم يعد للشيء وجهٌ واحد.
بل صار له عددٌ من الوجوه، بحجم عدد المرايا التي مرّ بها.
ما يُرى في المرآة… ليس انعكاسًا للشيء،
بل اختيارًا مؤقتًا لما يسمح له أن يكون مرئيًا.
عاشور مرواني
تعليقات
إرسال تعليق