حارس الذاكرة/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.
حارس الذاكرة
الجزء الثاني: إرث الأعماق وسرقة الذاكرة
بينما كان الشاب يستعيد أنفاسه في دفء الكوخ، نظر إلى وجه الهادي الأخاديدي، وتذكر فجأة حكايات والده القديمة عن هذا الرجل. لم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها الهادي الموت؛ بل إن حياته كلها كانت منسوجة من غزل المغامرات.
قبل سنوات طويلة، خاض الهادي مع والد هذا الشاب مغامرة جسورة في المياه الإقليمية الفاصلة بين تونس وإيطاليا. لم تكن تلك المعركة ضد عاصفة طبيعية، بل ضد "قراصنة البحر"؛ صيادين إيطاليين خارجين عن القانون، جاؤوا لسرقة السلاحف البحرية الضخمة (الـلوقرطة) المهددة بالانقراض لبيع دروعها ولحومها في الأسواق السوداء.
يتذكر الشاب كيف روى له والده كيف وقف مع الهادي بمركبهم التونسي البسيط، مستعينين بالفؤوس وشباك الصيد، ليصدوا سفينة القراصنة المسلحة، وينقذوا سلحفاة بحرية عملاقة كانت قد عاشت في هذه المياه لأكثر من قرن. لقد خاطروا بحياتهم لا من أجل مال أو جاه، بل لحماية روح البحر ورمزه الأزلي.
انتبه الشاب من ذكرياته الغارقة على صوت الهادي وهو يضع أمامه كوبًا من الشاي الساخن بنكهة النعناع البري.
قال الشاب وصوته يتهدج من الأثر: "عم الهادي... أبي حدثني عنك. عن تلك الليلة التي أنقذتما فيها سلحفاة البحر من القراصنة الإيطاليين بين هنا وصقلية. والدي كان يقول إنك لم تخف يومها من بنادقهم."
ابتسم العجوز ابتسامة غامضة، ونظر عبر النافذة إلى الأفق اللامتناهي حيث تلتقي المياه التونسية بالمياه الدولية. وقال بصوت خفيض كأنه يحدّث البحر: "الخوف يا بني هو الحارس الشخصي للجهل. والدك وأنا كنا نعلم أن السلحفاة ليست مجرد حيوان؛ إنها ذاكرة هذا البحر. إذا سرقوا الذاكرة، فماذا يتبقى لنا؟"
خرجا معًا إلى الشاطئ مع تمايل خيوط الشمس الأولى. استند الهادي على مجدافه القديم، بينما كان الشاب يتأمل الموج الذي يذهب ويعود في حركته الأبدية المستمرة.
تساءل الشاب في سره: من هو السجين الحقيقي في هذا الكون؟ هل هو القرصان الذي يطارد الطمع عبر الحدود والخرائط، أم السلحفاة التي تقطع آلاف الأميال لتعود دائمًا إلى نفس الشاطئ لتعيد دورتها الأبدية، أم هما؛ العجوز والشاب، المرابطان على صخرة معزولة لحراسة فراغ ممتد؟
التفت الهادي نحو الأفق، وحرّك يده مشيرًا إلى الموج المتكسر وقال: "البحر لا يعترف بالحدود التي يضعها البشر على الورق، والشرور تأتي وتذهب مثل العواصف. لكن الشجاعة الحقيقية ليست في الانتصار النهائي عليهم، بل في أن تظل واقفًا على هذا الشاطئ، مستعدًا للمواجهة القادمة التي لا بد أنها آتية."
ترك العجوز الشاب غارقًا في صمته وأسئلته. ظل السعي البشري معلقًا بين برّين، يسير في حلقة مفرغة، حيث تظل الأسئلة الكبرى بلا إجابات، ويظل البحر وحده كاتم السر الحقيقي، يبتلع الحكايات، ويواري الخوف والشجاعة في جوفه السحيق إلى الأبد.
انتهت
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
تعليقات
إرسال تعليق