موسيقى الأسماك/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.

موسيقى الأسماك
​لم يلامس قطّ تراب الأرض. فقد وُلِد وترعرع، وأطلق أنفاسه الأولى، على ظهر قارب خشبي متهالك كان يشقّ عباب الأمواج، فارّاً من بطش طاغية سحق وطنه الأم. كان الرضيع آنذاك حكاية خوف وُلدت في عرض البحر، وأصبح الشاب بعدئذ رجلاً لا يعرف من الأوطان سوى زرقته اللانهائية، ولا من الأمان سوى تمايل السفينة.
​وكان صديقه عازف الناي يرقبه من بعيد، مأخوذًا بهذه الحكاية الفريدة؛ فالصياد لم ينزل قطّ على البرّ، ليس كرهًا في اليابسة، بل رعبًا من أن تبتلعه ذكرياته، وأن يمسك به تاريخه الموجع إن هو وطئ ترابًا ثابتاً. لقد ظنّ أن الهروب الحقيقي لا يكون إلا بالبقاء في المنتصف، حيث لا حدود ولا جدران ولا حراس.
​وعلى متن ذلك القارب، قبالة أفق لا يفرقه عنه سوى الموت، قضى الصياد حياته يصارع الموج ويمدّ شباكه. وحين كان الليل يُلقي بسدوله على صفحة الماء ويخيم السكون التام، لم يكن يكتفي بصمت البحر، بل كان يحمل آلته وينفخ في ثقوب قصيبته لحناً غريباً وموجعاً.
​تعلّم العزف على الناي حتى بلغ ذروة الإتقان، فصار عازفاً بارعاً يعزف بكيانه كله. لم تكن تلك مجرد نغمات عادية، بل كانت "موسيقى الأسماك"؛ لحناً صادقاً، حزيناً إلى حد البكاء، وجميلاً لدرجة أن الكائنات البحرية كانت تخرج برؤوسها من الأعماق لتصغي إليه. موسيقى تحكي قصة من وُلد طريداً، وعاش وحيداً، واختار أن يكون صديقاً للأمواج، نازفاً همومه على نغمات ناي لا يعترف بالحدود ولا بالجلادين.
​وعلى متن ذلك القارب الغارق في ليل الأبدية، استمر الناي في البكاء، بينما ظل الصياد معلقاً بين ملوحة الموج وذاكرة الرمال التي لم يطأها قطّ. أيهما كان السجن الحقيقي يا ترى؟ أهو القارب الصغير الذي تحاصره المياه من كل جهة، أم البرّ الواسع الذي تحاصره خطى الجلادين؟
​وحين ضاقت اللجج على الصياد وتكاثرت الأسئلة في عتمة الأفق، لم يجد سوى نغمات الناي رفيقاً يروي حكاية العبور؛ حكاية رجل اختار ضيق الخشب على اتساع المنفى، مفضلاً رحابة الموج على يابسة أكلت خطى أصحابها وباتت سرداباً للنسيان. وليترك للأسماك وحدها أن تحرس سرّاً عجيباً: كيف تحول سجن الخشب الضيق إلى واحة حرية، بينما صارت الأرض الواسعة مقبرة للذاكرة!
​ومن يدري... لعل الأسماك وحدها هي التي تفهم سرّ الحرية، حين تحرس في أعماقها لحناً لا يموت، كأنها تتساءل في صمتها الأزلي: أفليست اليابسة الكبرى سوى سجن أوسع، والماء المفتوح هو المنفى الوحيد الذي يحرر الروح؟
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

واجهت الغول/بقلم الشاعرة/هناء التميمي.