الكنبة السحرية/بقلم الكاتب / احمد عيسى.
قصة قصيرة: الكنبة السحرية
====== =========
المكان: قرية "المحاسنة" (صعيد مصر).
الزمان: ليلة شتوية مقمرة.
كان الحاج حسين "أبو الرجال" يحب السهر في مندرة بيته القديم المبني من الطوب اللبِن. المندرة ليست مجرد غرفة، بل هي مستودع لذكرياته، وجدرانها تحمل نقوشاً قديمة تآكلت بفعل الزمن. وفي تلك الليلة، قرر الحاج حسين أن يجلس على "الكنبة الخشبية" القديمة الملقاة في زاوية المندرة، والتي كانت مهملة لسنوات طويلة.
قال لنفسه وهو ينفض الغبار عن قماشها السميك: "يا الله.. هذه الكنبة كانت شاهدة على كل شيء.. أفراحنا وأحزاننا".
بمجرد أن جلس، شعر بهزة خفيفة تحت جسده، وتغيرت رائحة المكان. لم تعد رائحة الطين والتمر، بل فاحت رائحة "بخور الصندل والمرو" القديمة، وأصبحت الأجواء دافئة بشكل غريب.
رفع الحاج حسين عينيه، ولم يصدق ما رأى. المندرة لم تكن مندرة، بل تحولت إلى سرداب ملكي عظيم داخل معبد فرعوني. الجدران نُقشت عليها نصوص هيروغليفية معقدة، تضيء بضوء أزرق باهت. وفي الطرف البعيد من السرداب، بوابة مظلمة تفصل بين عالم الأحياء وعالم الموتى.
وعندما نظر إلى جانبيه، تجمّد الدم في عروقه.
لم يكن وحده. كان يحيط به تمثالان عملاقان من الحجر البازلتي لـ "حور محب" و"تحتمس"، لكنهما لم يكونا مجرد حجارة. عيونهما كانت تشع بضوء أبيض ساطع، وصدورهما كانت تتحرك ببطء شديد، كأنما يتنفسان.
التمثال الذي على يمينه، وبصوت هادئ ولكنه يزلزل الأرض، قال: "يا بن آدم.. هل تظن أنك جئت هنا صدفة؟"
بينما التمثال الذي على يساره، والذي كان يمسك بقلم من ريش النعام ولفافة بردي عتيقة، واصل الكتابة وهو يلقي نظرة ثاقبة على الحاج حسين، وقال: "نحن أمناء السجل الملكي.. نسجل كل شيء، من اللحظة التي تفتح فيها عينيك حتى اللحظة التي تغلقها".
في الوسط، تحت بقعة ضوء سماوية، كانت ترقد كنبة الحاج حسين السحرية، وتحتها نثرت حبات "مسبحته" العتيقة. وفجأة، رآى نفسه.. أو بالأحرى، رأى ذكرياته، وهي تطفو كصور مضيئة فوق الكنبة. رأى والده وهو يعلمه الزراعة، ورأى ليلة زفافه، ورأى لحظات الخوف والرجاء في قلبه.
التمثال الذي يمسك بالريشة بدأ يكتب ببطء: "حسين.. ولد في المحاسنة.. عاش طاهراً.. أحب أرضه..". ثم توقف للحظة، ونظر إلى بوابة الموتى المظلمة.
خفق قلب الحاج حسين بشدة. هل حانت لحظة "الحساب"؟ هل هذه هي بوابة الدخول إلى عالم "أوزيريس"؟
وفي تلك اللحظة الحرجة، شعر الحاج حسين بيد تلامس كتفه برفق.
"أبا الرجال.. نمت هنا طويلاً.. اذهب إلى غرفتك لترتاح".
كان صوت ابنه علي.
فتح الحاج حسين عينيه بصعوبة. كان كل شيء كما هو؛ المندرة، الجدران الطينية، ولم تكن هناك تمثيل عملاقة ولا سرداب مضيء. فقط الكنبة الخشبية القديمة، ومسبحته الملقاة على الأرض.
نهض الحاج حسين وهو يرتجف قليلاً، ونظر إلى الكنبة بتقدير وحيرة. لقد كانت مجرد كنبة بالنسبة للآخرين، لكنها كانت بوابة له، في تلك الليلة، لاستعادة كل لحظة في حياته.. "كنبة سحرية" لم تُخزن ذكرياته فقط، بل جعلته يعيشها مرة أخرى.
قال لابنه وهو يتجه نحو الباب: "علي.. هذه الكنبة لا يجب أن تُهمل أبداً. هي تحمل روح المحاسنة.. وروحنا".
تمت
تعليقات
إرسال تعليق