انكسار الفخار/بقلم الكاتب/ عبدالفتاح الطياري.

انكسار الفخار
وقف يفاخر بخشونة صوته، يرمي كلماته كحجارة في بئرٍ هادئة، يظن أن الرجل صراخٌ يُشبع الفراغ، وأن الرجولة بطشٌ خفيفٌ بنظرة العين أو حركة اليد التي تُطيح بالأشياء. كان يكسر الآنية ليرى في تشظيها انعكاس سطوته، يضحك بملء شدقيه لكل شقٍّ يحدثه في جدار البيت، غافلاً عن أن الريح الهوجاء لا تبني سقفاً، بل تقتلع الخيام.

​كانت تراقبه من وراء صمتها العارف، لا ترد الصاع بصاع، ولا تجاريه في خفته.

​تنتظر حتى يهدأ غباره ويسكن غروره في نومٍ ثقيل، فتنحني بصبر الأرض تجمع الشظايا. بيدين ماهرتين، لم تكن تلصق الفخار فحسب، بل كانت تعيد صياغة الطين من جديد. تمزج الرمل بالماء، وتمرر أصابعها على حواف الحزن لتصنع منها أوانيَ أبهى وأصلب، تلونها بما تبقى في عينيها من يقين، وتخبزها في أتون صبرها الهادئ حتى تستوي.

​في كل صباح، يستيقظ ليجد البيت قائماً، والمائدة عامرة، والماء بارداً في جرارٍ لم يألف شكلها الأول. ينظر إلى يديه المفتولتين، فيحسب بجهله أنه هو من رفع البيت ورعى أركانه، ولا يدري أنه مجرد طفلٍ عابثٍ في ورشة صانعةٍ، تداري طيشه كل ليلة، وتصنع من رعونته حياةً قابلةً للبقاء.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

رحمك الله أبي/بقلم الشاعر/جمال الغوتي.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.