الطفلة التي تسكنها/بقلم الكاتبة د/ عبير جلال.
الطفلة التي تسكنها،،، الجزء السابع
في بداية السنة الجديدة، بدأت تستعيد نفسها من جديد، وبدأت تحب الحياة بعض الشيء.
اندمجت أكثر في عملها، واقتربت من أصدقائها، حتى أصبحت علاقتها بهم أكثر دفئًا وقربًا. كانت تتحدث معهم، وتستمع إلى مشكلاتهم، وتحاول أن تكون لهم بمثابة أخت كبرى، تشاركهم أحزانهم وأفراحهم.
بدأت تخرج لشراء متطلبات أسرتها من السوق، وكسرت حاجز الخوف الذي كان يفصلها عن الناس والتعامل معهم.
شيئًا فشيئًا، أصبحت حياتها شبه مستقرة. أبناؤها، والحمد لله، أصبحوا مستقرين في حياتهم، وكل واحد منهم يمضي في طريقه.
وفي يوم شتوي من بداية ذلك العام، ما زالت تذكره جيدًا، جلست بجوار نافذتها تراقب قطرات المطر وهي تتساقط على زجاجها.
وفجأة، سمعت طفلتها التي تسكنها تناديها من أعماقها:
«أما آن لكِ أن تعودي لتحمي نفسك؟ أما آن لكِ أن تمسكي قلمك ونكتب معًا؟»
انهمرت دموع عينيها كشلال، وبكت بكاءً شديدًا.
كيف تكتب؟ وقد فقدت قدرتها على التعبير!
لم تعد تملك موهبتها، فقد غابت عنها كغياب الشمس خلف الغيوم.
لكن طفلتها ظلت تهمس لها:
«أمسكي قلمك... حاولي. اكتبي ولو كلمة واحدة. أنا معكِ، أشجعكِ، ولن أترككِ. هيا، حاولي... انطلقي، ففي داخلك الكثير من الحكايات.»
مسحت دموعها، وأمسكت قلمها.
أمسكته وكأنها تمسك قلبها بين يديها.
شعرت بنبضه، وشعرت بالحياة تعود إلى أصابعها.
بدأت تكتب... أول كلمة.
كتبتها بصعوبة شديدة، وكأنها تستعيد ذاكرتها المفقودة، وكأن قاموس كلماتها قد مُحي من داخلها.
انتظرت برهة، وأخذت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى السماء، تستمد العون من الله.
ثم عادت إلى أوراقها، وأمسكت قلمها مرة أخرى.
فكتبت كلمات تعبّر عنها، وعن حالتها، لكنها كانت بالعامية.
قرأت ما كتبت بعد أن انتهت، فكادت الفرحة توقف قلبها من شدة المفاجأة.
لقد عاد قلمها لرشاقته، وعادت رقصاته بين أصابعها!
ركضت إلى زوجها تقول له:
«أنا كتبت من جديد!»
كانت فرحته رائعة. احتضنها من شدة فرحه، وقبّل جبينها، وقال لها:
«انشريها على صفحتك. عودي إلى صفحتك الأساسية التي كنتِ تنشرين فيها أشعارك وقصصك، والتي تركتِها منذ خمس سنوات.»
وفعلت.
نشرت كلماتها من جديد على صفحتها، وما إن نشرتها حتى فوجئت بتعليقات الأحبة والأصدقاء؛ تعليقات تحمل الحب والتشجيع، وكلمات أسعدت قلبها.
انبعثت بداخلها روح جديدة، وكأنها خُلقت من جديد.
تبدلت حياتها من النقيض إلى النقيض؛ من ظلام دامس، إلى نهار يملأ الحياة بإشراقة الأمل.
ها قد عاد الأمل يدق نافذتها من جديد.
بدأت تكتب مرة أخرى بالعامية، وبدأت تنشر في المجلات والروابط الإلكترونية.
وبدأ القراء يعلقون بأجمل الكلمات، ويتابعون ما تنشر، وينتظرون كتاباتها.
كان زوجها يشجعها ويفرح بكل نص جديد تكتبه، ويترك لها الوقت لتجلس مع نفسها وتكتب؛ فهي لا تستطيع الكتابة إلا في الليل، حين يسود الهدوء.
بدأت تتوسع في النشر، وبدأت تعود مرة أخرى إلى الكتابة بالفصحى.
وقتها شعرت بسعادة عارمة، وعرفت أنها بدأت تستعيد عافيتها، وأنها تسير في طريقها نحو الشفاء.
بدأت نصوصها تُكرَّم في المجلات والروابط، وبدأت كتاباتها تظهر وتُسجَّل على محركات البحث.
حمدت الله كثيرًا على عودة قلمها إليها، وعلى وجود طفلتها التي تسكنها في حياتها.
فهي لم تتخلَّ عنها أبدًا، على مدى مراحل عمرها كلها.
بل على العكس...
تشبثت بها، وبقيت بداخلها، ولم تبتعد عنها لحظة واحدة.
عاشت ذلك العام في سعادة غامرة، فقد عاد إليها قلمها، وعاد جمهورها من جديد.
فهي تكتب ما تشعر به، وما يلمس أوتار القلوب، تكتب نبض قلبها، وتترك كلماتها تبحث عن قلوب تشبه قلبها.
ومع ذلك، كانت الوحدة تعود إليها أحيانًا، تذكّرها بأنها ما زالت موجودة في حياتها.
كانت تعبث بأعصابها وتوترها كثيرًا، لكنها كانت تحاول أن تتغلب عليها بقدر استطاعتها.
كثيرًا ما كانت تنظر إلى حياتها الماضية، وتتذكر كم كانت ممتلئة بالأحبة، والأخوة، والأصدقاء، والأبناء.
ثم تنظر إلى واقعها الآن...
كيف أصبحت الحياة أكثر فراغًا برحيل من أحبّت، وانشغال الأبناء بحياتهم، وكيف أصبحت على هامش حياتهم، بعدما كانت يومًا محور حياتهم.
حتى الأحفاد انشغلوا بالنادي، والمذاكرة، والدروس، والاستعداد للعام الدراسي الجديد.
كانت تنظر إلى رحلة حياتها وتتأملها...
خمسة وثلاثون عامًا زوجةً وأمًّا، كانت خلالها رمزًا للعطاء والوفاء، تعطي بلا مقابل، وتمنح الحب دون انتظار.
والآن، وقد قاربت على إتمام عامها الستين، وجدت نفسها تستجدي الوفاء والاهتمام ممن كانت حياتها لهم هبة.
قاربت على بلوغ سن المعاش، ولم يتبقَّ سوى شهر واحد، لتودّع حياتها العملية، وتعود إلى بيتها، تعيش ما تبقى من أيامها مع زوجها وأحفادها.
وتتفرغ لقلمها الذي اشتاقت إليه كثيرًا.
تكتب كثيرًا من الكلمات التي تعبّر عما بداخلها، بعد سنوات طويلة من الصمت.
وتختلي بطفلتها التي تسكنها، تستعيد معها الذكريات، وتحكي لها الحكايات.
فقد عاد قلمها إلى الكتابة من جديد...
وعادت إليها روحها الضائعة.
وما زال للحديث بقية...
بقلم: عبير جلال
الإسكندرية
٢٧/٨/٢٠٢٦
تعليقات
إرسال تعليق