أحقادٌ مُؤرِقة/بقلم الشاعرة د/ حفيظة مهني.

أحقادٌ مُؤرِقة
بقلم حفيظة مهني 
______________

إذا استيقظتْ أقلامُنا تبدَّدَ الخَرَسُ
وصاحَ في صدرِ الليالي الصوتُ والنَّفَسُ

أنا الجُرحُ، لا ضمادٌ لمواجعي
فخنجرُ الغدرِ في كبدي قد انغرسَ

أَيُلامُ دمعي إذا ما غادرَ المُقَلَ؟
ومن فرطِ آلامي، الهدبُ قد وَجَسَا

أنا الغريقُ، ولا شيءٌ يعصمني
قد غلّبَ المدُّ جزرًا، واكتسحَ اليبَسَا

أنا الحريقُ الذي لا يستريحُ رمادُهُ
حتى نُصفِّعَ كلَّ غادرٍ بيننا جلسا

وطني بيتُنا، ما زالَتْ موائدُهُ
تحوي الوفاءَ، ودفءَ الحبِّ والأنسا

كتمتُ دخاني، لكنْ كانت حرائقي
تُنبئُ العابرينَ عن كَيّاتِنا، أسَفا

بالكفِّ كفني، وبالصدرِ مصحفي
أرضى الموتَ، ولا أرضى لهُ الرَّمَسا

أبكيكَ يا وطني، بحرقةِ ثكلى
سقط دمعها على القبر منكسفا

وأطرقتْ في ظلامِ الليلِ أوجاعُنا
كأنَّ الحقَّ في الحلقِ قد حُبِسَا

احترقتْ أكبادُنا، والأعادي باسمةٌ
هل نستجيرُ بطاعنٍ عانقَ الغَلَسَا؟

ماذا أقولُ، ووطنُي اليومَ يسألني:
أينَ الذينَ لهُ كانوا لنا حُرُسا؟

أيقظوا ذوي الأرحامِ من غفلتهم
وليُشعلوا من ضمائرِهم لنا قَبَسَا

من بدَّلَ الخبزَ نارًا في موائدِنا؟
ومن أطعمَ اليتيمَ الدمعَ والعبَسا؟

فلا خيرَ في قِدرٍ لا يُشبِعُ أهلَهُ
بطونٌ جِياعٌ، وفي قعرِهِ دَّسس

فما بالُ البيوتِ التي كانتْ نوافذُها
تُهدي الضياءَ، صبحُها نَعِسا؟

ما كنّا يومًا ظلالًا للخلائقِ مواربةً
إن خانَها الليلُ، عابَتِ القَبَسَ

فلا تجزعْ، فالنوائبُ دُوَلٌ
ولا يستوي البحرُ واليبَسَا

وطني اليومَ يشكو من مواجعِهِ
فأخبروني: خائنُهُ أينَ دَرَسْ؟

إنَّ الحجارةَ، في جوفِها ذاكرةٌ
تروي لمن مرَّ أنَّ الدار ما انطمسا

فالنارُ مهما استبدّتْ في مفاصلِنا
لا تستطيعُ إبادةَ من باقٍ فيهِ نَفَسا

هذه الأرضُ بدمِ الشهيدِ مخضَّبةٌ
حبُّ اللهِ والوطنِ فيها قد غُرِسا

فالوطنُ ليسَ ترابًا نحنُ نسكنُهُ
بل ما يظلُّ من الإنسانِ و إن يئسا

أمشي على وجعي، والليلُ يعرفني
كأنَّ في خطوتي للصبحِ مُلتَبِسَا

ومن تخفّى وراءَ الخوفِ معتذرًا
فالتاريخُ يكتبُهُ سطرًا من الدَّنَسا

توضّأْ وادخلْ أرضَنا مطهَّرةً
فالحقدُ إن غالَ الأنفسَ نَجَّسا

نغوصُ في اليمِّ، لا نخشى غوائلَهُ
البللُ لا يُثني عزْمَنا عن الغَطَسا

سيورقُ الحقلُ بعدَ القحطِ، نزرعُهُ
ويستعيدُ الربيعُ الأرضَ والغَرْسا

وإن تطاولَ كحل الليل ذا قدري
فالفجرُ يولدُ من أحشائِنا شَمسا

وسوفَ يخرجُ من أحزانِنا وطنٌ
أقوى، ويبعثُ فينا العزمَ والبَأْسا

ولنبنِ على الأنقاضِ رايتَنا
لترفرفَ الأعلامُ، ونرفعَ ما انْتَكَسَا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

واجهت الغول/بقلم الشاعرة/هناء التميمي.