بقايا عشقٍ/بقلم الشاعرة د/حفيظة مهني.

بقايا عشقٍ
بقلم حفيظة مهني 
_____________^

بقايا عشقٍ ما زالت عالقةً بأقصى الوريد؛
شيءٌ صغيرٌ أفلت من يد النهاية،
واختبأ في الجهة التي لا يصل إليها النسيان.
لا أراه،
لكنني أعرف أنه هناك؛
فبعض ما يسكننا
لا يحتاج إلى وجهٍ كي يُعرَف،
يكفي أن يوقظ في الروح ارتباكًا قديمًا
فنلتفت، دون أن ندري إلى ماذا.
أوهمتُ نفسي طويلًا أن المسافات تُجيد اقتلاع الأشياء من جذورها،
وأن الغياب، إذا طال،
يعلّم القلب برودةً تكفيه.
لكن بعض الغياب
لا يأخذ شيئًا؛
إنه يترك مكانه ممتلئًا بما لا يُقال.
مضيتُ كما يمضي الذين نجوا؛
وجهٌ هادئ،
خطواتٌ مستقيمة،
وصمتٌ يعرف كيف يخفي ارتجافه.
كنت أضع الحكاية خلف ظهري،
فتسبقني ظلالها.
وكلما ظننت أنني بلغت آخرها،
وجدت في داخلي طريقًا آخر
يقود إلى النقطة نفسها.
ذات مساء،
انحنت الشمس فوق نافذةٍ قديمة،
فأيقظت في الجدار شقًا من الضوء.
لم يكن في المشهد ما يستحق الارتباك،
ومع ذلك،
تعثّر شيءٌ في صدري.
صعد الكلام إلى حافة الحنجرة،
ثم عاد أدراجه،
كأنه خاف أن يسمعه أحد.
ومنذ ذلك المساء
عرفت أن للصمت أبوابًا،
وأن بعض الأبواب
لا تُغلق مهما أحكمنا عليها الأقفال.
خمدت الحكاية بعد ذلك،
أو بدا لي أنها خمدت.
نامت التفاصيل،
تراجعت الوجوه،
بهتت الأصوات،
حتى صار الماضي يشبه صورةً
غمرها الماء.
لكن الأثر لم يبهت.
كان يغيّر مكانه فقط؛
مرةً يسكن أغنية،
ومرةً يختبئ في رائحةٍ عابرة،
ومرةً يمرّ كرجفةٍ خاطفة
حين يرد اسمٌ لا أعرف لماذا
ما زال قادرًا على إرباك القلب.
لم يعد للعشق شكلٌ واضح.
لم يعد وجهًا أنتظره،
ولا موعدًا أستعيده،
ولا حكايةً أريد إكمالها.
صار شيئًا أكثر خفاءً؛
كشقٍّ دقيقٍ في جدار الروح،
لا يراه أحد،
لكن الضوء يعرف طريقه إليه.
ولهذا،
لا أقول إنني ما زلت أحب،
فالحب الذي يحتاج إلى اعتراف
ربما يكون قد غادر منذ زمن.
ولا أقول إنني نسيت؛
فالنسيان الكامل
ترفٌ لا تمنحه بعض الحكايات.
كل ما أعرفه
أن في أقصى الوريد
نبضًا لا يعلن عن نفسه،
وفي أعماقي جهةً
كلما ابتعدت عنها
أعادتني إليها الحياة دون أن أدري.
ربما لم يبقَ من الحكاية شيء.
وربما بقي الشيء الوحيد
الذي لا تستطيع الأيام محوه:
ذلك الأثر الذي يجعلنا،
بعد سنواتٍ من الهدوء،
نقف فجأةً أمام أنفسنا
ولا نعرف من الذي طرق الباب.
فأقسى العشق
ليس ما يتركه الغياب من فراغ،
بل ما يتركه الحضور
بعد أن يرحل.
شيءٌ لا يُرى،
ولا يُسمّى،
ولا يطلب شيئًا...
ومع ذلك،
يبقى.
ينام تحت طبقات العمر،
ويترك عينه مفتوحةً في العتمة،
كأن في داخله يقينًا غامضًا
بأن بعض الأشياء
حين تنجو من الموت،
لا تعود كما كانت...
بل تصبح جزءًا منّا.
فبعض العشق لا يموت.
إنه فقط
يتخلى عن صوته،
ويطفئ آخر شمعةٍ في الطريق،
ثم يمضي إلى أعمق موضعٍ في الروح...
ليتعلم هناك
كيف يبقى
دون أن يُرى.
بقلم: حفيظة مهني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

واجهت الغول/بقلم الشاعرة/هناء التميمي.