نهاية العالم/بقلم الكاتب/ عبدالفتاح الطياري.
نهاية العالم
كانت استراحة «نهاية العالم» مكاناً يلفّه الغموض؛ مقصداً للمشي والتجوال وجمع الفطر، ووجهةً أثيرةً لسياحة تأملية هادئة. كنا نظن أننا نصعد الجبل لمجرد الترويح عن ضجر المكاتب وثرثرة العائلات، حين اجتمعنا—أصدقاءَ العمل مع أسرنا كما في كل عام—في تلك النقطة المعلقة وسط الضباب الألبي حيث تبدو الجغرافيا كأنها نسيت نفسها.
كان الهواء يحمل وخزاً غريباً؛ شيئاً أثقل من رطوبة المطر وأعمق من رائحة السنديان، كأن الطبيعة تهمس بسرٍّ محظور يتردد بين الصخور: مَن يجرؤ على تجاوز الخط، لن يعود كما كان.
ما مصير الجمر في صدورنا حين نُمعن في إخماده؟ وهل نحن مَن نقتفي أثر الفراغ في أعماقنا، أم هو الذي يترصّد خطواتنا نحو المجهول؟
في ذلك الصباح، انفصلت صوفيا عن مجموعتنا بخطوات شاردة لم يلحظها أحد. كانت سلتها الخوصية نصف ممتلئة بفطر الإبريق البري، لكن عينيها كانتا تلاحقان شيئاً آخر؛ خيطاً خفياً من الصمت لم يكن ينتمي إلى سكون الجبال المألوف، بل نبضاً يستدرج حواسها نحو منخفض صخري غائر، معزول كأنه نُحت خارج خرائط الأرض وخارج الزمن.
هناك، تحت عباءة ظل شجرة بتولا دائرية التكوين، رأت الفطر.
لم يكن يشبه أي نوع وثّقته كتب علم النبات؛ كانت أطراف قبعاته اللحمية تتنفس وتتوهج بنبض شاحب، يتبدّل لونه في كل طرفة عين. وحين جثت على ركبتيها ولمست إحداها بسبابتها، لم تشعر ببرودة النبات المألوفة، بل بكهرباء خفيفة صعدت مباشرة إلى نخاعها، وتناهت إلى مسامعها همهمة عميقة لا تأتي من الهواء، بل تنبعث من باطن الأرض السحيق.
كان كل فطر منها تجسيداً لحاجة بشرية عارية، مقطّرة من أعمق طيات النفس التي نخاف مواجهتها. رأت فطراً عسليّ الجذع ينضح بقطرات شفافة تفوح منها رائحة الحليب الدافئ وحرارة الأكف المتشابكة؛ فطر الحاجة الملحّة إلى الارتباط، يغمر الروح بحنين موجع إلى احتواء ضائع. وبجانبه، انتصب فطر قرمزي داكن، متعرج كعضلة قلب مقطوعة، يبعث دفئاً لافحاً يرغم الوعي على البوح بالحب والظمأ الجارف إلى الاستحواذ. وإلى جوارهما، نبتت قباب فضية كأنها قشور مرايا تعكس وجوهاً خافتة محاطة بالهيبة، تهمس بالأنانية الخفية والبحث المستميت عن المعنى، والخلود، والاعتراف.
تلاشت برودة الألب فجأة، واجتاح صوفيا جوع لم تألفه معدتها قط؛ جوع عارٍ لكل ما وأدته في حياتها الرتيبة خلف الابتسامات الاجتماعية المصطنعة والواجبات المرهقة. كانت تلك النوابت تفضح جوهر الكائن البشري، لا كخطايا مدانة، بل كنيران بدائية تحترق بصمت داخل الصدور.
مدت يدها المرتجفة نحو أشدها توهجاً: فطر لؤلؤي كأنه مصبوب من حليب القمر وشعاع النجوم، كان يجسد سرّها الأثقل الذي لم تجرؤ يوماً على الاعتراف به لنفسها: الرغبة في الانعتاق التام من ثقل هذا الوجود البشري.
لم تأكله؛ كان يكفي أن قطفت قبعته المتلألئة حتى تصاعد منها رذاذ ذهبي غلّف بصرها. في تلك الثانية المباغتة، توقف صفير الرياح، وذاب جدار الضباب الكثيف، وانفتحت في عمق الجرف فجوة هائلة كأنها بوابة من مرايا سائلة، تكشف عن أفق سرمدي لا سماء له، بل سقف من الشفق المتوهج حيث تتراقص أطياف من نور وأصداء.
حين وصلت فرق الإنقاذ في الغداة، لم يجدوا منها سوى سلتها المقلوبة، وبضع فطور برية عادية بدأت تتعفن سريعاً فوق طبقة الثلج الرقيقة.
أما صوفيا، فكانت تقف هناك، على ضفة بحيرة من ندى بلوري في العالم الآخر، حيث لا جوع يُقضى، ولا ألم يُداوى، بل تطفو الكيانات في نشوة أزلية بلا نهاية. كانت محاطة بكائنات غريبة ذوات أعين سوداء كالسبج الصقيل، ينظرن إليها في صمت مهيب ومريب. رفعت إحداهن مرآة من ماء متجمد، وحين نظرت صوفيا إليها، لم تجد انعكاساً لجسدها، بل رأت ذاتها قد تحولت إلى خيط ضوء ناصع ووحيد، تتغذى عليه هالات تلك الكائنات الباردة.
ابتسمت صوفيا بلا ملامح، وأدركت في ومضة أخيرة تلاشت معها كل ذكرياتها الأرضية، الحقيقة المروعة: تلك الكائنات لا تملك أرواحاً، وما تلك الفطور النابتة على حدود عالمنا إلا شباك صيد خبيثة؛ فليست الرغبات سوى مصائد لأرواح البشر الجائعة، التي تشكل الوقود الوحيد لإبقاء سراب خلودهم حياً خلف حجاب الغيب.
ومرّت السنون، وبقي المنخفض معزولاً كما كان؛ فإذا ما اقترب منه باحث عن السكون أو قاطف فطر، ارتدّ إليه من عمق الصخور نداء مبحوح يرجف له العظم، كأنه سؤال معلق في الفراغ: «هنا ينتهي العالم؟»
تعليقات
إرسال تعليق