و هطل المطر/بقلم الكاتب/ عبدالفتاح الطياري.

و هطل المطر
جلس الكهل على حافة الدكّة العتيقة يراقب ظلّه المتآكل، يمسك بسبحته كأنما يقبض على زمنٍ يفرّ من بين أصابعه، بينما رمق الشاب الواقف عند زاوية الزقاق، يرى في عينيه طيشاً عابثاً وقطيعةً مع الجذور. 
وفي الضفة المقابلة، كان الشاب يرمق صمت الشيخ وجموده، يراه سداً منيعاً يحرس الماضي بحجارة التوجّس والملام، ويتساءل في سرّه: كيف لحياةٍ أن ترتضي هذا السكون؟
​سنواتٌ من الجوار الصامت مرّت كغيمةٍ خرساء؛ كان كلّ طرفٍ ينسج في خياله تمثالاً مشوّهاً للآخر، يُغذّيه بالظن ويسيّجه بالريبة. الكهل يخشى أن تُهدم حكمته، والشاب يخشى أن تُصادر أحلامه، وبينهما حاجزٌ وهميّ من الكلمات الموؤودة.
​حين هطل المطر بغتةً، لم يجد الاثنان ملاذاً سوى تحت مظلّة دكانٍ مغلق، التصقت الأكتاف لضيق المكان، فبادر الشاب بمدّ يده ليحمي رداء الكهل من مياه الميزاب، وابتسم الكهل متفاجئاً وقدّم له نصف مظلته.
​سقطت أول جملةٍ عفوية عن برودة الطقس، فجرّت خلفها حديثاً طويلاً لم ينقطع. في لحظاتٍ معدودة، رأى الكهل في حرقة الشاب شغفاً يشبه ربيع عمره الذي تولّى، ورأى الشاب في تجاعيد الشيخ وجعاً نبيلاً وخوفاً صادقاً على القرية وليس تسلّطاً.
​انقشع الغيم وانسحبت الظلال، فعاد كلّ منهما إلى مقعده في ساحة القرية، لكن النظرات لم تعد كالسابق؛ تلاشت الأقنعة التي نسجها الوهم، وتبيّن أن الجدار الذي فصل بينهما دهراً لم يكن سوى صمتٍ طال أكثر مما ينبغي.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

واجهت الغول/بقلم الشاعرة/هناء التميمي.