ذباب الخريف/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.
ذباب الخريف
زعموا أن رجلاً حكيماً من أهل الفضل والبصيرة كان يُدعى «صالحاً»، اعتزل صخب الناس ونزل في بستانٍ وارف الظلال، التمس فيه خلوةً لتهذيب النفس وتدوين الحكمة. وبينما هو جالسٌ في سكون، قد بسط أوراقه وأعدّ زاده، هبطت عليه ذبابة مهينة الشأن، رقيقة الجناح، سوداء المظهر، دنيئة المورد.
حطّت الذبابة على صفحة كتابه، فنهرها بيده هشةً خفيفة، فطارت قليلاً ثم عادت تلحّ كأنها لم تُزجر. ولم تزل تدور في أرجاء المكان، تقع تارةً على درن الأرض وما فسد من الثمار، وتارةً أخرى تقصد إناء طعامه وموضع شرابه، حاملةً على قوائمها الدقيقة خبيث الداء ورجس الطريق.
اشتدّ غيظ صالحٍ واحتدم صدره، وقال لنفسه: «ما بال هذا المخلوق الهزيل يجرؤ على إفساد صفوي وتلويث عيشي؟ لأرينّه بأسي!».
تناول جريدة نخلٍ ونهض طائش اللبّ، فبدأت بينهما المعركة. كان يضرب الهواء بكل ما أوتي من بطش، فتفلت الذبابة بخفّة مروّعة، محدثةً بطنينها دوياً كأنه السخرية والاستهزاء. وكلما أفرط صالح في الغضب، طاش عقله وضاعت ضرباته؛ فكسر إناء مائه، ومزّق ثوبه، وسقط على الأرض مجهداً وقد جرح جبينه، بينما حلّقت الذبابة في أمان.
حاول الرجل استرداد رشده، وظن أن دفع الشر يكون بالمسالمة والترفع، فنهض وفتح نوافذ الغرفة على مصراعيها ليدخل النور وتخرج هي إلى فضاء البستان. غير أن الأمر لم يجرِ كما قدّر؛ فما إن انبلج الهواء حتى انقضّت الذبابة راجعةً بنزقٍ أشد، حاملةً أوساخها لتستقر هذه المرة على الخدش الدامي في جبينه، تمتص من دمه وتنكأ جرحه بطنينٍ خبيث يفتك بما تبقّى له من حلم.
عندها خبت الحكمة بالكلية، واستعرت نار الضغينة، واستسلم لميولٍ خفية تأمر بالانتقام المجرد؛ قال: «لن تخرجي طائعة، ولن تظفري بموتٍ رحيم؛ بل سأذيقكِ عذاباً كعذابي».
أحضر وعاءً ينفث رذاذاً ساماً مسموماً—ما يسميه أهل الزمان بالفليتوكس—وحاصرها في ركنٍ ضيق حتى غمرها بسحابةٍ خانقة. تهاوت الذبابة وهي تتلوى في نزاعٍ مرير، تضطرب وتجر أجنحتها في الهلاك حتى سكنت جيفةً هامدة، فانتشى صالح بانتصاره وتوهّم أنه استرد كرامته وسلامه.
لكن نشوته لم تدم إلا ريثما ارتد إليه طرفه؛ فما كادت روحها تفارق جسدها حتى انبعث من شقوق الجدران وفتحات النوافذ طنينٌ متكاثر، كأنما نفثت الهالكة قبل موتها وصية غدرٍ إلى سائر جنسها. وإذا بسربٍ من أخواتها يقتحم المكان في إثرها، لا بدافع الوفاء أو الثأر، بل لمواصلة التهريج والعبث بنسقٍ أشد وقاحة، يملؤون الفضاء صخباً ويجوسون خلال داره، محيلين خلوته إلى حلبة جنون لا تنتهي.
وعلم الحكيم حينها أن دناءة الطبع لا تُستأصل بمنازلة الصغائر، وأن من نزل إلى ساحة الحشرات لم يجنِ إلا العفن؛ فالحقير لا يُبالي إن مات منه واحدٌ ما دام قد أورث الخسّة لمن بعده ليواصلوا العبث ذاته.
تعليقات
إرسال تعليق