من ذكريات الصبا/بقلم الشاعر/محمد جعيجع.

من ذكريات الصبا :
.................. 

هذه الصورة تبرز حرفة اندثرت بمرور الوقت وذهبت مع أصحابها، وهي حرفة (غطسة الصوف) حيث يؤتى بالتراب ويضاف له أعشاب ومواد خاصّة بالتلوين وتثبيت الألوان مع الطبخ في الماء لساعات طويلة للحصول على اللّون المراد، ويلقى بالصوف أو بخيوطه أو بمنتجاته داخل قدر ذو سعة كبيرة، ويغسل الصوف ومنتجاته جيّدًا بالماء لتخليصها من الشوائب التي علقت بها، وتعلّق في الهواء والظلّ لتجفّ ببطء، وتمرّ هذه العملية بمراحل خاصّة ... 

مرحلة التحضير : استخدمت التربة الطينية البيضاء أو ما يُعرف بـ "المغرة" والتربة الغنية بالمعادن لغسل وتبييض الصوف الخام لإزالة الشوائب والدهون قبل صبغه أو تثبيت الأصباغ، ولم تكن التربة تُستخدم كصبغة ملونة أساسية بحد ذاتها، بل كانت المواد الملونة تُستخلص من النباتات والأعشاب الصحراوية (مثل الحناء، والنيلة، والكركم، وقشر الرمان) ... 

مرحلة تثبيت الأصباغ : استخدمت المثبّتات المعدنية من أنواع معيّنة من التربة أو الأملاح المعدنية الأرضية كمثبّتات الشَّبّة (حجر الشبه)، أو الملح، أو الليمون الجاف، أو حتى الخل ونقيع التمر الهندي للمساعدة على ثبات الألوان النباتية داخل ألياف الصوف لفترة طويلة... 

مرحلة الصباغة : يتمّ غمر خيوط الصوف في القدر المغلي وتركها لعدة ساعات (أو أيام أحيانًا) حتّى تمتصّ اللّون تمامًا وتصل للدرجة اللونيّة المطلوبة... 

مرحلة التجفيف : يتمّ شطف الصوف بالماء البارد لتخليصه من بقايا النباتات والشوائب العالقة به، ثمّ تعليقه في مكان مهوى وفي الظلّ ليجفّ ببطء... 

في زمن الصبا كنت أذهب وإخوتي وأبناء إخوتي إلى الواد المحاذي لحي (محمد بوضياف "رحمه الله تعالى") ببلدية حمام الضلعة، وكانت تسمى (ذراع المغرة) نسبة إلى اسم التراب المستعمل في "غطسة الصوف"، وكان أيّامها خال من السكان... 

كنا نذهب لجلب ذلك التراب بانتقاء نوعيته، وبعد تقديم مصالح البلدية مبالغ معينة لكلّ من يسكن الثكنة العسكرية التي خلّفها الاستعمار الفرنسي الغاشم بعد طرده من الجزائر "الكازيرنا" وأغلبهم من الفقراء، حرّف اسم الحي إلى (ذراع الفقراء) ... 

.................. 

محمد جعيجع من الجزائر - 29 سبتمبر 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

واجهت الغول/بقلم الشاعرة/هناء التميمي.