مسخ/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.

مسخ
جلست أماني أمام المرآة ذات الإطار الذهبي العتيق في غرفتها، تتأمل تفاصيل وجهها كما اعتادت أن تفعل لسنوات. كان في طرف أنفها ارتفاعٌ طفيف ورثته عن والدتها، وعيناها وإن كانتا واسعتين، إلا أن هالات خفيفة من السهر كانت تحيط بهما، وشفتان عاديتان تشبهان ملامح عائلتها القديمة في ألبومات الصور المنسية.

​لم تكن أماني غير راضية عن نفسها، حتى بدأت الدائرة من حولها تتغير. في مقر عملها بشركة التصميم، وفي اللقاءات العائلية، وعلى شاشات الهواتف التي تلتهم الوقت، بدأت ترى "الوجه الجديد" ينتشر في كل مكان. زوايا فك حادة تشبه المنحوتات الحجرية، أنوف دقيقة كأنها رسمت بمسطرة هندسية، وشفاه ممتلئة بنمط واحد لا يخطئه أحد. في البداية، كان المشهد يبدو مبهرًا كأنه خروج من صفحات مجلة أزياء، لكنه مع الوقت تحول إلى طوفان صامت؛ وجوه كاملة، مصقولة، باردة، تشبه بعضها حتى يكاد المرء يعجز عن تذكر من التقى بالأمس ومن يرى اليوم.

​تسلل الشك إلى قلب أماني بنعومة خبيثة. لم تعد تسأل: "هل أنا بخير؟"، بل أصبحت تسأل: "لماذا أبدو ناقصة بينهن؟"

​استسلمت أخيرًا للفكرة. حجزت موعدًا في عيادة تجميل شهيرة، حيث كان المدخل يشبه معبدًا من الرخام والموسيقى الهادئة. جلست أمام الطبيب الذي كان يحمل قلمًا دقيقًا، ولم ينتظر أن تتكلم، بل بدأ فورًا برسم خطوط وهمية على وجهها: "سنرفع الأرنبة قليلًا، نحدد زاوية الفك لنمنحك مظهرًا أكثر شبابًا، ونضيف لمسة هنا وهنا."

​خرجت أماني بعد أسابيع من الإجراءات والانتظار بوجه جديد. كان خاليًا من أي عيب تقني: بشرة مشدودة كالحرير، أنف مثالي كأنما قُدّ من لوحة ثلاثية الأبعاد، وزوايا تنافس أبرز نجمات الشاشات.

​في الأيام الأولى، كانت تشعر بنشوة غريبة. الإعجابات تنهال على صورها الافتراضية، وعبارات المديح الجاهزة تتكرر في تعليقات الغرباء: "أيقونة"، "جمال لا يوصف". شعرت أنها نالت صك الاعتراف الذي كانت تنتظره، وأنها أخيرًا دخلت نادي "المعايير المعتمدة".

​لكن الاختبار الحقيقي لم يكن خلف الشاشة، بل في حفل زفاف جمع زميلات دراستها القدامى.

​دخلت أماني القاعة مرتدية فستانها الأنيق، وكلها ثقة في أن الجميع سينبهر. لكن ما حدث كان مربكًا لحد الذهول. التقت بصديقاتها الثلاث المقربات اللواتي لم ترهن منذ عامين: هدى، ريم، وسارة.

​وقفت أماني أمامهن مبهوتة. كن جميعًا يملكن نفس الأنف الدقيق، نفس استدارة الشفاه، ونفس زاوية الوجنتين. حتى ابتساماتهن عند التحية كانت تتوقف عند حد معين؛ ابتسامات حذرة لا تجرؤ على تحريك عضلات الوجه خشية كسر القالب المثالي.

​حين تبادلن القبلات والمجاملات، شعرت أماني ببرودة موحشة. قالت ريم: "أماني! تبدين مذهلة، صرتِ تشبهيننا تمامًا!"

​كانت الجملة سهمًا أصاب أعماق روحها: "صرتِ تشبهيننا تمامًا".

​خلال السهرة، بدت الطاولة كأنها معرض لتماثيل شمعية متقنة الصنع. دارت الأحاديث حول أسماء الأطباء، والمواد المحقونة، والعيوب المتبقية التي ينبغي إخفاؤها في المرة القادمة. لم يتطرق أحد إلى كتاب قرأه، أو شغف اكتشفه، أو حزن دفين يحتاج لمن يسمعه. كان كل الجهد مبذولًا فقط للحفاظ على زاوية الصورة، وللتأكد من أن الضوء يسقط على الوجه بشكل صحيح.

​في منتصف الحفل، انضمت إلى طاولتهن زميلة قديمة تُدعى "نور". لم تكن نور قد غيرت شيئًا في نفسها؛ كان وجهها يحمل خطوط ضحك واضحة حول عينيها، وأنفها عريضًا نوعًا ما، وحركاتها عفوية مليئة بالحياة. لم تكن مثالية بالمقاييس السائدة، لكنها حين بدأت تروي قصة رحلتها الأخيرة ومغامراتها، تحولت أنظار الجميع إليها دون إرادة منهم. كانت تضحك بملء شدقيها، وتتحدث بعينين تلمعان بالشغف، وروحها كانت تملأ المكان دفئًا افتقدته الطاولة لساعات.

​في تلك اللحظة، رأت أماني الفارق جليًا: كن جميعًا ملفتات للنظر كقطع الديكور المتناسقة، لكن نور وحدها كانت حاضرة. كن جميعهن نسخًا مكررة تبحث عن تأكيد لقيمتها، بينما كانت نور أصلًا قائمًا بذاته، لا يعبأ بإثبات شيء لأحد.

​عادت أماني إلى منزلها في ساعة متأخرة. أزالت مساحيق التجميل، ووقفت أمام مرآتها القديمة مرة أخرى.

​نظرت إلى ملامحها الجديدة؛ لم تكن قبيحة، بل كانت غاية في الإتقان، لكنها أدركت أخيرًا ما خسرته. لقد باعت النكتة التي كانت تبتسم بها عيناها، وتخلت عن أثر والدتها في أنفها، واستبدلت تفرّدها الذي لم يكن يشبه أحدًا بقناع جميل متاح لكل من يملك ثمنه.

​أدركت أماني في تلك الليلة أن الجمال حين أصبح متاحًا ومعلبًا، فقد سحره الحقيقي؛ لأن السحر لا يكمن في التماثل، بل في الندرة. وأن الجري وراء إعجاب الآخرين بئر بلا قاع، بينما السلام الحقيقي يبدأ حين يرى الإنسان وجهه في المرآة، فيبتسم لأنه يرى نفسه... لا لأنه يرى ما يريده العالم منه.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

واجهت الغول/بقلم الشاعرة/هناء التميمي.