نمور من ورق/بقلم الكاتب/محمد الجندي.
نمور من ورق
منشور اليوم طويل قليلًا، ولكني أعدك بأن تخرج منه أفضل مما دخلت، بشرط واحد: أن تكون حقًّا باحثًا عن إجابات تمنح عقلك الحرية.
السؤال: هل يمكننا القول إن الإسلام هو ما يقيّد أتباعه، ويحرمهم من الريادة التي يستحقونها؟
الإجابة أبسط مما تتخيل.
الريادة تعتمد على امتلاك مقوماتها، والوصول إلى هذه المقومات له طريقان لا ثالث لهما: طريق شرعي، وآخر غير شرعي.
الإسلام، يا عزيزي، يمنع أتباعه من امتلاك أي شيء بوسائل غير مشروعة، خاصةً إذا كانت آثار هذه الوسائل لا تتوقف عند لحظة الامتلاك، بل تمتد إلى ما بعدها. فمن سنَّ سنةً سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين.
وبناءً على ما سبق، فإن الطرق المشروعة هي السبيل الوحيد للريادة التي لا تتعارض مع تعاليم الإسلام.
لكننا نعيش في عالم تُلوى فيه أعناق الشرائع والقوانين، وتُستغل فيه الثغرات لتحقيق المصالح، فتزداد الطرق المشروعة صعوبة، ونجد أنفسنا، نحن الملتزمين بها، كحملان في غابة من الضباع.
ولأننا نأثم إذا سعينا إلى أن نكون ضباعًا، فليس أمامنا إلا أن نكون نمورًا، حتى نتمكن من بلوغ المكانة التي نطمح إليها دون أن نتخلى عن مبادئنا.
ولكن، تذكّر، عزيزي القارئ...
الضباع تعيش في قطعان كبيرة، وتنهش قوائم النمور الخلفية حين تجدها منفردة؛ لأنها لا تستطيع مواجهتها.
وإلى أن تدرك النمور ضرورة التغلب على طبيعتها المنفردة، وتقبل بأن تتحد، فلن يكون لها أمل في مواجهة الضباع.
ولكن، ماذا لو ظهر نمر حقيقي، يمتلك مقومات المقاومة؟
حينها، تلجأ الضباع إلى دعم نمور من ورق؛ فوجود نمر حقيقي قادر على تغيير موازين القوى يمثل خطرًا على هيمنتها.
وبهذه الحيلة الخبيثة، يجد النمر الحقيقي نفسه أمام خيارين، كلاهما يصب في مصلحة الضباع:
الخيار الأول: أن ينشغل بمواجهة نمور شكلية، لا تمتلك من القوة إلا مظهرها، فتتبدد طاقته، وتظل النتيجة في مصلحة الضباع.
الخيار الثاني: أن يهاجم نمور الورق، فتستغل الضباع ذلك لتشويه صورته، وتصويره على أنه نمر يفترس أبناء جنسه، بدلًا من أن يكون مدافعًا عنهم.
والمحصلة واحدة.
نمر حقيقي، وحيد، يشعر بالعجز رغم امتلاكه مقومات القوة. باب الريادة مفتوح أمامه، لكنه أضعف من أن يعتلي العرش بمفرده،
وتظل الضباع مسيطرة على الغابة؛ إما باستغلال ثغرات القوانين والشرائع، وإما بإنكارها تمامًا حين تعجز عن الالتفاف عليها، وحينها، تصبح الجرائم دفاعًا عن النفس، والسرقات من مقتضيات اقتصاد السوق الحر، وإشعال الفتن دليلًا على الذكاء الاجتماعي!
تلك هي الحيلة الكبرى: أن تُمنح الممارسات غير المشروعة أسماء براقة، حتى يبدو الباطل مقبولًا، بل قد يبدو أحيانًا دليلًا على القوة والذكاء.
إنها الأدوات التي يمنع الإسلام أتباعه من استخدامها، بينما تتخذها الضباع وسائل للهيمنة، وتوظفها ضمن منظومة متكاملة من التحايل والاستغلال وتبرير التجاوزات.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية:
ليست المشكلة في أن الإسلام يمنع أتباعه من أن يكونوا أقوياء، بل في أن بعض البيئات تكافئ من يتخلون عن مبادئهم، وتعاقب من يتمسكون بها، ثم تقنع هؤلاء بأن ضعفهم نابع من مبادئهم.
لكن النمر الحقيقي لا يحتاج إلى أن يتحول إلى ضبع كي ينتصر؛ بل يحتاج إلى أن يدرك أن قوته لا تكتمل بانفراده، وأن التمسك بمبادئه لا يعني الاستسلام، وأن الاتحاد مع أمثاله ليس رفاهية، بل ضرورة.
ليصبح السؤال: هل تقبل أن تكون نمرا حقيقيا تخضع لزمرة النمور، أم نمرا من ورق، تقودك الضباع من خلف الكواليس؟
محمد الجندي، بتاع كلام مش فاضي.
تعليقات
إرسال تعليق