آخر شجرة في المدينة/بقلم الكاتب/ابراهيم سليمان.

(آخر شجرة في المدينة) ج 6

(6- اسمع شكوتي)

يقفُ التاريخ مكسورًا على عتبات مأساة لم ترحم حتى الجذور، لتكشف الشجرة عن جرح يمتد من "قانا" إلى "الشيشان" إلى واديها المستباح. هنا لا تسقط الأوراق بفعل الفصول، بل تتحول إلى أكفان تستر جسد الأرض المنكوبة بغدر الأفاعي وطغيان الإبادة. إنها مرثية شجرة عاصرت مهد الحضارة، وشهدت كيف يُغتال الربيع، وكيف تساق شقيقاتها إلى الفناء على عربات الموت.

وفي هذا الأفق الذي يموج بالخذلان وتحوم في سمائه غربان الموت، تطلق آخر شجرة صرختها الصامتة بوجه عواصف الجور المشتعلة، تبكي بحرقة على أبناء عمومتها من النخيل، وعلى ربيع أنكر دروبها فاستحال خريفًا من الأحزان والآهات، ومن عمق الأسر والمرارة، تروي هذه الجدة العظيمة قصة الغدر الخفي، وتعلن أن صمودها الأخير هو الفارق بين البقاء والفناء.

هجرت أطيار أعشاشًا..فلا أيك بقي ولا أفنان

وعواصف جور مشتعلة..والأفق يموج بخذلان

ودماء حبيباتي تراق .. كما في قانا والشيشان

ماتت شقيقاتي ضيما..وتحوم على الجثمان غربان

أسبلتُ عيون الصبر لها..وأسقطتُ الأوراق كأكفان

والنخل أبناء عمومتنا .. لم ينج من يد الأفعوان

أنا أقدم شجرة في هذا..المهد أحضن الصحاري في تفان

يمشي الربيع بدروبي فينكرها..ويستحيل خريفًا بين كثبان

أتبادُ أفناني وأنا... جزء من حضارة الإنسان؟

دربي قد كان به متسع ... لعناق ربيعي في إتقان

وأطيار عاشت مغردة ... غدت موؤودة الألحان

راح الدرب ينعاها ... بنغم صامت الأحزان

ويبكي الدرب على راحل ... ويطلق آهاته كالنيران

وتُجمع جثامين أخواتي ... على عربة يجرها حصان

عشتُ العمر دوما آمنة .. لا خضعتُ لإعصار وبركان

إلا في الحق مدافعة ... كي يفصل بيننا الفرقان

غدروا بأحبابي خلسة ... وسقوني مر الطغيان

يتبع.....................

إبراهيم سليمان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

واجهت الغول/بقلم الشاعرة/هناء التميمي.