الباب المفتوح/بقلم الكاتب/عبدالفتاح الطياري.

الباب المفتوح
كان المساء يلفّ أطراف الغابة ببرودة قاسية حين التقطه من تحت ركام من الحطب المبلل. كتلة صغيرة من الوبر الرمادي الممزوج بالبياض، تكاد لا تملأ راحة اليد، تصدر أنيناً واهناً يشبه خفقان قلب يحتضر. لم يكن في حسبان الرجل، الذي اعتاد هدأة خريفه وعزلته الرتيبة، سوى أنه انتشل هراً صغيراً فقد أمه في مهبّ ريح الشتاء.
​سمّاه "أنيس"، وأطعمه الحليب الدافئ بقطّارة دواء، ثم بأصابعه الشاحبة، يمسح على ظهره كلما فزِع الصغير من عواء الريح خارج الكوخ.
​مرّت الشهور، ولم تكن الأيام تمرّ كعادتها مع الهررة الأليفة. كان الصغير يكبر بوثبات مريبة، كأن جسده يستحضر زمناً برياً لا صلة له بدفء المواقد. استطالت قوائمه، وعرُضت مخالبه كأنها نُحتت من عاج صلب، وتوّجت أذنيه خصلتان من الشعر الأسود المنتصب، تتنصتان على سكنات الغابة أكثر مما تسمعان نداء صاحب البيت.
​حين بلغ الصغير عامه الأول، نظر الرجل إليه وهو متمدد أمام الجمر، فانخلع قلبه لمرأى الوشق النائم في ثيابه. لم يعد قطاً. كان ذلك "الوشق البري"، ابن العتمة والافتراس، يستريح في وداعة تحت سقفه.
​منذ تلك اللحظة، تشققت مرآة الألفة، ونبت في فراغ البيت هاجس صامت: خوف متبادل لا تفصحه الأعين، لكن ترسمه الحركات الحذرة.
​كان الوشق وفيّاً وفاءً يفوق منطق الوحوش؛ يرافقه إلى حافة الحقل، يحرس عتبة البيت، ويسند رأسه الثقيل أحياناً على ركبة الشيخ مستسلماً للمسات يده المرتجفة. لكن، في عمق ذلك الوفاء، كان ثمة خوف دفين يسكن الوحش أيضاً. كان الوشق يشعر بنظرة الرجل التي تبدلت: توجّس الشيخ من كل حركة مباغتة، والقبضة التي تشتد على عصاه، والسكين الموضوع دائماً في متناول اليد على مائدة العشاء. كان الوحش يخاف خيانة هذا الكائن الضعيف الذي آواه؛ يخاف أن يراه الإنسان يوماً خطراً محتوماً فيقرر القضاء عليه قبل أن يستيقظ فيه الدم.
​أما الرجل، فكان يعيش في رعب أن "مرآة الحياة" المشتركة بينهما قد تنكسر في أي لحظة. كان يسأل نفسه كلما التقت عيناهما بلون الصفرة المتقدة في عيني الوشق: ماذا لو شعر هذا المفترس يوماً بأنه أسير؟ ماذا لو أدرك أن حبسي له في فناء البيت إهانة لأصله الحر؟ هل سينقلب الوفاء في لحظة واحدة إلى ثأر، وتتحول رعاية السنين إلى انتقام بري يمزق عنقي وأنا نائم؟
​تأرجحت العلاقة فوق خيط دقيق مشدود بين حبلين: حبل المحبة النقية الصادقة، وحبل الشك المسموم. كان كل منهما يخشى غدر الآخر، لا كرهاً، بل دفاعاً عن البقاء.
​وفي ليلة عاصفة، هبّت فيها ريح هوجاء أطاحت بباب الكوخ، وثب الوشق فجأة نحو الظلام وهو يزأر بحشرجة مكتومة. ارتاع الشيخ، وظن للحظة أن اللحظة الموعودة قد حانت، وأن الغريزة انتصرت في صدر الوحش ليثأر من قيده الخفي. ارتعشت يداه وهو يرفع فأسه صوب العتمة، متوقعاً هجمة غادرة تشفي غليل الطبيعة المكبوتة.
​لكن الصوت الذي تصاعد من الخارج لم يكن زمجرة هجوم، بل كان صراعاً دموياً يائساً مع ذئب ضال تسلل إلى الباحة الخلفية محاولاً اقتحام البيت.
​خرج الرجل مشعلاً سراجاً زيتيّاً، ليجد الوشق رابضاً فوق جسد الذئب الصريع، يلهث والدماء تسيل من كتفه العريض. التقت عيناهما في ضوء الفتيل الراقص. كانت عينا الوشق تعاتبان، محملتين بألم الجرح وبخيبة الحيوان الذي أدرك أن الفأس المرفوعة في يد صاحبه كانت موجهة نحوه هو، لا نحو العدو القادم من الدجى.
​لقد انكسرت المرآة، لا بانتقام الوحش، بل بانكشاف خوف الإنسان.
​اقترب الشيخ بخطى واهنة، وألقى الفأس أرضاً حتى رنت على الحصى رنيناً حزيناً. جثا على ركبتيه في الطين، ومد يده يضمد الجرح النازف بالوشاح الذي يلف به عنقه. لم يزأر الوشق ولم ينشب مخلباً؛ بل لعق أصابع الرجل الباردة برقة تفيض بالأسى، كأنه يغفر له ريبته، ثم نهض ببطء، ونفض المطر عن فرائه الكثيف.
​نظر إلى الكوخ نظرة أخيرة دامت دهراً، نظرة جمعت العرفان بالحرية، ثم استدار نحو أعماق الغابة واختفى بين جذوع البلوط، تاركاً الرجل وحيداً أمام بابه المفتوح، يدرك أن الوفاء الحقيقي قد يحميك من مخالب الوحش، لكنه لا يستطيع أبداً أن يمحو لعنة الخوف في قلب الإنسان.
​غير أن تلك الليلة لم تكن خاتمة العهد، بل بداية ميثاق صامت لا تدركه إلا أرواح الغاب.
​فمع هبوط كل عتمة، حين يسكن الكون وتنام الريح بين أغصان السنديان، كان الوشق ينحدر من عزلته العالية في الجبل، متسللاً في خفية وظلال. يعبر سياج الحديقة بخطوات كأنها وطء الندى، فيربض تحت شجرة الزيتون العتيقة المقابلة لنافذة الكوخ. كان يمكث هناك طوال ساعات السحر، ساكناً كتمثال من البرونز، حارساً أرق الرجل وأحلامه من عوادي الليل وغدر الذئاب، محتملاً برد الدجى في وفاء لا يطلب جزاء ولا يرجو عناقاً.
​وحين يرتفع النداء من مئذنة القرية البعيدة، شاقاً سكون الفجر: "الصلاة خير من النوم"، كان نور الكوخ الشاحب يشتعل. يرى الوشقُ الباب يُفتح بتمهل، ويلمح صديقه القديم يخرج متلفحاً برداء الصوف، حاملاً عصاه، يمشي بخطى هادئة ومطمئنة نحو المسجد.
​هناك فقط، حين يتأكد أن الرجل حيٌّ معافى لم يمسه سوء، كانت عينا الوشق تبرقان في العتمة بوميض رضى دافئ؛ ثم يلتفت نحو البراري، قافلاً أدراجه إلى عمق الغابة قبل أن تفضحه خيوط الصباح، تاركاً خلفه سلاماً خفياً لا تراه إلا عين السماء.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الغفران الذي لا ينسى/بقلم الكاتبة/شهرة بو جلال.

أرشيف الذاكرة/بقلم الشاعرة/شهناز حسين.

واجهت الغول/بقلم الشاعرة/هناء التميمي.