المفتاح الثقيل/بقلم الكاتب/ عبدالفتاح الطياري.
المفتاح الثقيل
كان أبي، تاجراً متواضعاً، يدير المفتاح نفسه في القفل نفسه منذ أربعين عاماً. في كل مساء عند الساعة السادسة، كان يصعد الدرجات الحجرية العشرين ليضيء فانوس بيته الحقير. بالنسبة له، كان النور يحمي بضاعته ويوجه إشارة حياة للصوص في قلب الليل الدامس.
في تلك الليلة، كانت الرياح تعصف بشدة، وجعلت جدران بيته ترتجف. كانت ساقا أبي ثقيلتين، وكان يشعر بالتعب؛ أخيراً بدأت سنواته الثمانون تزن بثقلها على كتفيه.
في الأعلى، وبينما كان يستعد لإدارة المفتاح لإطلاق ألسنة اللهب، تردد صدى طرقات على الباب في الأسفل. أحدهم يطرق... أمر غريب في مثل هذا الطقس!
نزل مسعود الدرجات وهو يشعر بالقلق، ثم فتح الباب. كانت هناك امرأة شابة تبتل بماء المطر، وتحمل حقيبة ظهر في يدها. ابتسمت وعيناها تلمعان:
— هل هذا هو بالفعل آخر العالم؟
بقي أبي صامتاً. دخلت المرأة دون انتظار، وضعت حقيبتها ونظرت حولها. لم يكن يعرفها من قبل، ليست زبونة اعتيادية، ولعلها عابرة سبيل.
أخذت تشرح أنها هربت من حياة مليئة بالضوضاء، وأعلمته بمرارة أن زوجة أبيها طردتها من البيت بعد شجار طويل كان سببه الرجوع إلى المنزل متأخرة بعد الوقت المسموح. قصدت حديقة المسافرين لتستريح وتترقب الفجر لتستقل سيارة أجرة للالتحاق بأبيها في الجنوب؛ كانت تبحث عن الهدوء. وعندما كانت تحث سيرها خوفاً وقد أسدل الظلام عباءته على الشارع، فاجأتها تتبعات شاب يظهر لها من النظرة الأولى وكأنه صعلوك. طرقت الباب دون أن تدري، طالبةً النجدة... وكان في ذلك الأملُ المنشود، وفتحٌ لعرشٍ لم تكن تتوقعه.
قضيا الليل في الحديث بالقرب من نار الكانون. كان أبي يستمع إلى هذا الصوت العذب الذي أضفى دفئاً على الغرفة، ورأى فيها انعكاساً لشبابه هو، ذلك الشاب الذي غادر المغامرات منذ سنوات طويلة.
في صباح اليوم التالي، أشرقت الشمس على جو هادئ. نظر مسعود إلى مفتاح الفانوس الموضوع على الطاولة الخشبية، ثم التفت نحو الشابة التي كانت تتطلع إلى الأفق العريض من النافذة الضيقة الزجاجية. كان من المفترض أن تصل زوجته بعد شهر، لكن ولأول مرة، بدت له فكرة انتظار شخص آخر بلا فائدة.
لم يقل أي منهما كلمة. حمل أبي حقيبته الصغيرة القديمة التي لم يلمسها منذ عقود، ووضع المفتاح في منتصف الطاولة تماماً.
وقف مسعود عند آخر عتبة حجرية، ويده معلقة في الهواء بانتظار أن تلتقط مقبض الحافلة الذي أصدر صفيراً معدنياً حاداً مع توقفها. لم يلتفت للوراء، لكنه لم يخطُ تلك الخطوة الأخيرة للداخل أيضاً.
في أعلى البيت، داخل الغرفة الصامتة، كان شعاع الشمس يتسرب من الشق الضيق للنافذة الزجاجية، يتقاطع مع الدخان المتصاعد بخفة من الفتيل المطفأ. سقط الضوء مستقيماً على الطاولة الخشبية، حيث يربض المفتاح الحديدي الثقيل في منتصفها تماماً. كان الحزّ المكسور في رأس المفتاح يعكس بقعة دائرية صغيرة من النور، تتسع وتضيق بحسب حركة الظل القادم من بعيد.
اقتربت أصابع الشابة من حافة الطاولة، وتوقفت على بعد سنتيمترات قليلة من المعدن البارد، دون أن تلمسه. غرق المكان في صمت تام، باستثناء صوت قطرة ماء واحدة تسقط بانتظام من سقيفة الباب المبتلة، لتحدث ثقباً صغيراً متكرراً في بركة الماء الراكدة عند أسفل الدرج.
تعليقات
إرسال تعليق