أكواب من ضباب/بقلم الكاتبة/حفيظة مهني.
أكواب من ضباب
بقلم حفيظة مهني
______________
كم يلزمني من الفصول لأغسل عن قلبي غبار الطريق الذي سلكتُه إليكِ؟ وكم يلزمني من المطر لأصدق أن الأشجار لا تثمر في الجهات التي يسكنها السراب؟
ظننتُ أن الندى الذي يتقاطر من أطراف كلماتكِ ماءَ نجاة، فإذا هو ملحٌ يورث الظمأ، وأن النوافذ التي فتحتِها لي تؤدي إلى البساتين، فإذا هي ثقوب في جدار الريح، لا يدخل منها إلا البرد.
ما أقسى أن يضلَّ المرء وهو يحسب نفسه يهتدي، وأن يبتسم للسراب حتى إذا اقترب منه وجد كفَّه تمتلئ بالرمل، وعينيه تمتلئان بخيبةٍ لا اسم لها.
فلا تعودي... ليس لأنني أكرهكِ، ولكن لأنني أحببتُ ما بقي مني بعدكِ. لقد قضيتُ زمنًا أجمع فتات روحي من منعطفات الانتظار، وأخيط ثقوب أيامي بخيط الصبر، حتى إذا استوت قامتي من جديد، أدركت أن بعض الأبواب خُلقت لتُغلق، لا لتظل مواربةً في وجه الحنين.
أنا ابنُ الأفق؛ لا يليق بي أن أستظلَّ بسقفٍ من دخان، ولا أن أستبدل اتساع السماء بقفصٍ من الأمنيات المؤجلة. في صدري متسعٌ لألف حلم، لكنه يضيق بحلمٍ واحدٍ وُلِد مكسور الجناحين.
ردِّي إلى الريح صداها، وإلى الموج زَبَدَه، وإلى الليل سُهاده، وخذي عني آخر أثرٍ تركته خطاكِ على تراب القلب. فما عاد في المرافئ سفينةٌ تنتظر اسمكِ، ولا في النوافذ مصباحٌ يسهر لعودتكِ.
لقد تعلمتُ أن الزهرة التي تُفتن العين قد تُخفي شوكةً لا يراها إلا من مدَّ إليها يده، وأن الطريق لا يخون السائر، وإنما يخونه وهمُ الوصول إلى غير وجهته.
سأمضي... لا لأن المسافات أرحم، بل لأن الكرامة إذا استيقظت في القلب أطفأت آخر قنديلٍ كان يقتات من الانتظار. وسأترك خلفي كل ما يثقل الخطى؛ الأسماء، والوعود، والرسائل التي لم تجد طريقها إلى الصدق.
فإن مررتِ يومًا من هنا، فلا تبحثي عني بين الأنقاض؛ لقد بنيتُ من كسري بابًا، ومن صمتي صلاةً، ومن وحدتي وطنًا لا تدخله إلا الأرواح التي تعرف معنى الوفاء.
أما أنا... فسأظل كلما أشرقت شمسٌ جديدة أحمد الله أنني نجوت، وأن بعض الخسارات لم تكن إلا يدًا خفيةً تدفعنا نحو الحياة.
تعليقات
إرسال تعليق